التربية الإسلامية: مفهومها، حكمها، ومسئولية الأهل تجاهها

د.حسين وليد محاجنة/ محاضر في كلية الدعوة والعلوم الإسلامية ـ أم الفحم

المقصود بالتربية الإسلامية "إعداد الطفل جسميا وعقليا وروحيا ووجدانيا واجتماعيا حتى يكون عضوا نافعا لنفسه ولأمته في ضوء المبادئ والقيم التي أتى بها الإسلام، وفي ضوء أساليب وطرق التربية التي بينها"[انظر: إسلامنا لسيد سابق ص(237)، التربية الإسلامية لعبد المجيد حلبي ص(38)]
اهتم الإسلام بتربية الأبناء، وجعلها أمانة في عنق الوالدين، قال عز وجل:)يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ([النساء:11]. وقال (صلى الله عليه وسلم):"أكرموا أولادكم، وأحسنوا أدبهم"[رواه ابن ماجة]. وقال عليه الصلاة والسلام:"ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن"[رواه الترمذي].
من هنا يظهر لنا أن تربية الأبناء واجب ديني، كلف الله به كل أب وكل أم، وهو منبثق من عقيدة المسلم وتصوره الإيماني وما ينبني عليها من نظرة تجاه الولد، فليس الولد ملكا للوالدين بل هو عبد الله وأمانته التي أودعهما إياها، وأناط بهما مسئولية حفظها، وأداء حق الله تجاهها، وهما مسئولان أمام الله يوم الدين عن حفظ هذه الأمانة ورعايتها، أو تضييعها والتفريط فيها. يقولُ (صلى الله عليه وسلم):"الرجل راعٍ في أهله ومسؤولٌ عن رعيته، والمرأةُ راعيةً في بيتِ زوجها ومسؤولةٌ عن رعيتها"[رواه البخاري ومسلم].
إن للدور التربوي الذي يقوم به الآباء الأثر الفعال الذي من خلاله تصاغ شخصية الفرد. ويكتسب الصفات الخيرة، ويصبح عنصرا إيجابيا في بناء صرح دينه وأسرته ومجتمعه.
من المعلوم أن الطفل يخرج إلى هذه الدنيا صحيفة بيضاء نقية، مزودا بالاستعدادات الفطرية لتقبل الخير أو التوجه نحو الشر، قال غزالي في "إحياء علوم الدين" (3/72):"والصبيان أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يمال به إليه فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبوه وكل معلم له ومؤدب وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له". ويقول ابن القيم في تحفة المودود بأحكام المولود ص139:"فمن أهملَ تعليمَ ولدِهِ ما ينفعه، وَتَرَكَهَ سُدى، فقد أَساءَ إليه غايةَ الإساءة، وأكثرُ الأولادِ إِنما جاء فسادُهُم من قِبَلِ الآباءِ وإهمالِهِم لهم، وتركِ تعليمِهِم فرائضَ الدينِ وَسُنَنَه، فأضاعوها صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسِهِم ولم ينفعوا آباءَهُم كِبَارا".
إن وجود المزايا التي يتفرد بها الإنسان عن العجماوات، ونموها، والتي بها يتفرد الإنسان عن الحيوان، فتضبط مشاعره، وتهذب دوافعه، ويهتدي عقله بنور الشرع، لا تتأتى إلا بالتربية السليمة. وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم):"إنما العلم بالتعلم"[رواه مسلم].
أطفال اليوم هم رجال الغد وبناته. فإذا أردنا أن نرى الصورة الحقيقية لما سيكون عليه حال الأمة في المقبل من أيامها قوة أو ضعفا، ازدهارا أو تقهقرا فللنظر إلى حال ناشئتها.
ولا شك أن بناء الأجيال الفتية بناء يوازي ويتناسب مع تطلعات الأمة نحو غد يحكم فيه الإسلام حياتنا بمختلف جوانبها ترتبط ارتباطا وثيقا بمقدار ما تمنح هذه الأجيال من التربية، وبقدر ما يكرس لأجلها من وقت وجهد وتخطيط لتوجيهها الوجهة النافعة.[تربية الأولاد في الإسلام للدكتور محمد عقلة ص (32)]
• أهميةُ الموضوع :
التربيةُ عملٌ شاق، وجهدٍ يحتاجُ إلى وقت، وهي مهمةٌ ليست جديدة، وهي عملٌ فاضل. وتبرزُ أهميةُ الكلام في هذا الموضوع في النقاط الآتية :
1ـ الوضعُ الحالي للأمة: فالناظرُ لواقعِ الأمة يجدُ وضعاً سيئاً لم يمر عليها طوالَ الأزمنةِ المتقدمة، لقد أوشكت أن تعدم كثير من المبادئِ الإسلامية في بعض البلدان الإسلامية، وبالتربية يمكنُ معالجةُ هذا الوضع.
2ـ بالتربية يتمُ إيجادُ الحصانة الذاتية لدى الولد، فلا يتأثرُ بما يقابلهُ من شهوات وشبهات؛ لأنَّها تقوى مراقبته لله فلا ينتهك حرمات الله إذا خلا بها، ولا يتأثرُ بالشهوات التي تزينت في هذا العصر تزيناً عظيماً فأصبحت تأتي للمسلم ولو لم يأتها، ولا بالشبهات التي قد تطرأ على عقله.
3ـ التربيةُ مهمة لتحمل الشدائد والمصائب والفتن التي قد يواجهها الولد في مستقبل حياته
4ـ التربية تهيئ الولد للقيام بدوره المنوط به؛ دوره لنفع نفسه ونفع مجتمعه وأمته
5ـ تتبين أهميةُ التربيةِ من خلالِ وجودِ الحملةِ الشرسة لإفسادِ المجتمعِ من قبل أعداء الإسلام، فوجودُ هذه الحملة لابد أن يُقابل بتربيةٍ للأولادِ حتى يستطيعوا دفعها عن أنفسهم ومجتمعهم
6ـ التربيةُ تحققُ الأمنَ الفكري للولدِ، فتبعدهُ عن الغلو، وتحميهِ من الأفكارِ المضادةِ للإسلام كالعلمانية المتطرفة وغيرها.
7ـ التربيةُ مهمةٌ لتقصيرِ المؤسساتِ التربويةِ الأخرى في أداء وظيفتها التربويةِ كالمدرسة والمسجد.
8ـ إن وُجود بعضُ الأمراضِ التي انتشرت في الأمةِ سببهُ التقصيرُ في التربية أو إهمالها، فالسفورُ والتبرجُ والمخدرات والمعاكسات وغيرها انتشرت بسبب الإهمال في التربية أو التقصير فيها.
9ـ التربيةُ وسيلةٌ للوصول بالولد إلى المُثل العليا، كالإيثار والصبر وحبِّ الخير للآخرين. [انظر: تربية الأولاد على الآداب الشرعية لعبد الرحمن بن عايد، مقال منشور في موقع "صيد الفوائد"]
• الأساليب التربوية:
إن المنهج الإسلامي لا يفصل بين الهدف والوسيلة، فالهدف العظيم يقتضي وسيلة رفيعة نسلكها لبلوغه. ولما كانت تربية الطفل تهدف إلى تكوين عنصر صالح لخدمة دينه وأسرته ومجتمعه، وإلى صياغة فرد صالح يكون أهلا لمثوبة الله تعالى يوم الدين، والوقاية من عذابه، فإن هذا الهدف – بسموه – يستوجب أن نتخذ وسائل هي بدورها ناجعة وفعالة ومشروعة بلوغا لذلك الهدف. [انظر: تربية الأولاد في الإسلام للدكتور محمد عقلة ص(40-49)]
ومن أهم الوسائل للوصول إلى المرمى ما يلي:
أولاـ التربية بالقدوة الحسنة:
فالصغار يكتسبون العادات والأخلاق والقيم من المحيطين بهم.
ثانياـ التربية بالترغيب والترهيب:
من أساليب تربية الطفل أسلوب ترغيبه في كل ما هو خير، وترهيبه من كل ما هو شر بطريقة هادئة تتصف بالمرونة والصبر، وينبغي أن يرسخ في ذهن الطفل أن السلوك الطيب نتائجه طيبة، وأما السلوك الشرير فنتائجه شريرة.
ثالثا ـ التربية بالمحاكاة والتقليد:
ذهب ابن خلدون إلى أن الطفل يتعلم بالتقليد والمحاكاة أكثر مما يأخذه بالنصح والإرشاد.
فمن الممكن غرس القيم والمبادئ من خلال أنماط سلوكية يراها الطفل، ويحاول تقليدها، ولا سيما تلك الأشياء التي ترتبط بالدين وبفرائض الإسلام، فيتعلم الطفل من خلالها النظام والنظافة والوفاء والصدق وضبط النفس.
رابعا ـ التربية بالموعظة:
يعظهُ بأسلوبٍ جيد، كأن يبدأَ بالاستعطاف؛ يا بُني ويا بنتي، وربَّما يستعملُ معه السؤالُ والجواب؛ كأن يقولَ ألا تريدُ الجنة، ألا تخافُ من النار، ويمكنهُ أن يغتنمَ المناسبات، ويستفيدَ من المواقف، كأن يرى زحاماً شديداً فيذكرهُ بالقيامةِ، أو يراهُ فرحاً بنتيجةِ الامتحان فيقولُ له مثلاً: وإن شاء الله ستفرحُ في الآخرة أيضاً مادُمت تُطيعُ الله، وهكذا، وينبغي الاقتصادُ في الموعظة وعدمُ الإكثارُ منها لئلا يملَّ الولد.
خامساـ التربية بالقصة:
من أجمل الأساليب المؤثرة العرض القصصي، فيمكن استثمار الخزينة القصصية الوافرة الموجودة في التراث الإسلامي لغرس القيم والفضائل، فما من باب ولا جزئية إلا وفيها القصص الواردة عن سلفنا الأوائل تشجع وتحمل المرء على الاقتداء الحسن.
سادساـ التربية بضرب الأمثال:
من الأساليب التي استعمالها القرآن والسنة ضرب الأمثال للتوجيه الحسن أو الكف عن خلق سيء. من ذلك ما جاء عن أبي أمامة قال: إن فتى شابا أتى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه. فقال:"ادنه، فدنا منه قريبا". قال: فجلس قال: "أتحبه لأمك؟" قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال:"ولا الناس يحبونه لأمهاتهم". قال:"أفتحبه لابنتك؟" قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك قال:"ولا الناس يحبونه لبناتهم". قال:"أفتحبه لأختك؟" قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال:"ولا الناس يحبونه لأخواتهم". قال:"أفتحبه لعمتك؟" قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال:"ولا الناس يحبونه لعماتهم". قال:"أفتحبه لخالتك؟" قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال:"ولا الناس يحبونه لخالاتهم". قال: فوضع يده عليه وقال:"اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه، وحصن فرجه" قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء. [رواه أحمد وإسناده صحيح].

د.حسين وليد محاجنة/ محاضر في كلية الدعوة والعلوم الإسلامية ـ أم الفحم

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

انتقل الى رحمة الله تعالى الحاج وجيه نايف ابو هيكل وسيشيع جثمانه بعد صلاة الجمعة من مسجد ابي عبيدة إنا لله وإنا اليه راجعون 06/23/2017 - 04:51
اللهم احفظ آمنة مطمئنة وسائر بلاد المسلمين https://t.co/ctho2tWvnQ 06/22/2017 - 23:24
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 28 - 19 06/22/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 26 - 19 06/21/2017 - 10:00
لما تشوف هاي الصورة يعني العيد قرب https://t.co/twuxAI61qp 06/21/2017 - 00:08