غزة و"دون كيشوت" العربي

الشيخ رائد صلاح , رئيس الحركة الاسلامية في الداخل الفلسطيني

ليته كان كـ"دون كيشوت" الغربي، لأن هذا الأخير أظهر بطولاته على طواحين الهواء وسَجَّل انتصاراته وهو يظن في أحلام يقظته أنه يخوض المعارك الفاصلة ويحرز فيها نصرًا مبينًا بعد نصر مبين، ولم يكن في الحقيقة إلا واهمًا، يقاتل الريح إلى جانب طواحين الهواء، ويقاتل الوهم وينتصر واهمًا عليه، ويقاتل السراب ويتغلب حالمًا عليه، فهو البطل الواهم الموهوم والخادع المخدوع، ولكنه لم يؤذ أحدًا في الحقيقة، ولم يهرق دم أحد، ولم يهدم بيت أحد، ولم يحرق ولم يسجن ولم يصادر ولم يطرد ولم يبعد.

هكذا كان "دون كيشوت" الغربي.. أما "دون كيشوت" العربي فهو "دون كيشوت" آخر. فهو الذي أراق دماء عشرات الآلاف في الحقيقة، ما بين قتيل وجريح، ليظهر بطولاته. ولكن كل هؤلاء الآلاف كانوا من شعبه أو من بني عروبته وأمته!!

وهو الذي حَرَّك جيوشه ودباباته وطائراته ليخوض المعارك الفاصلة وفق حساباته وليحرز فيها نصرًا مبينًا، ولكن على أبناء وطنه وعلى أبناء قوميته وعلى أبناء أمته!!

أتدرون من هو هذا الـ"دون كيشوت" العربي؟! إنه السيسي الذي لا يزال يفتل عضلاته، ويبرز مراجله، وينفش صدره، ويصدر أوامره، ويبطش ويقصف ويقتل ويدمر ويشرد وكأنه القائد العسكري الأسطورة الذي لا يُقهر. ولكن أين يصنع كل هذا البطولات الخارقة؟! في ذبح الشعب المصري في سيناء حتى أسوان مرورًا بالقاهرة والإسكندرية وسائر محافظات مصر وسجونها!! وفي ذبح الشعب الليبي وتدمير بنغازي وسائر المدن الليبية كما لو كان هو المكمل لجرائم الاحتلال الإيطالي، الذي ثار في وجهه الثائر الحق والقائد الأبيّ عمر المختار!! وفي مواصلة حصار غزة العزة والتشديد عليها يومًا بعد يوم، وكأن هذا الـ"دون كيشوت" العربي؛ أي السيسي، يطمع في يوم من الأيام أن يمنع عنها الهواء، وأن يحجب عنها نور الشمس، وأن يحبس عنها غيث السماء. لذلك هو الذي لا يزال يدمر بيوت رفح المصرية على امتداد الحدود مع غزة العزة. وهو الذي لا يزال يشرد أهل هذه البيوت. وهو الذي بات يحلم بحفر قناة مائية على امتداد الحدود مع غزة العزة وربط هذه القناة مع البحر الأبيض المتوسط!! فيا للجرأة النادرة التي ما بعدها جرأة!! ويا للشجاعة النادرة التي ما بعدها شجاعة!! ويا للبطولة الخارقة التي ما بعدها بطولة!! يا لكل هذه الأوسمة التي بات "دون كيشوت" العربي يزين بها صدره وكتفيه، ولكن من خلال استباحته لحرمة مصر وليبيا وغزة العزة، واستباحة الأرض والبيوت والإنسان والمقدسات فيهن!!

ولأنه كذلك فها هو موقع "جويش برس" يغدق عليه سيلًا من المديح المقزز، ويكتب عنه في تقرير بعنوان: "إسرائيل تثق بالسيسي اليوم، لكن ماذا عن المستقبل؟!"، ما يلي: (في الوقت الراهن تشعر إسرائيل بالسعادة بسبب قتال السيسي لـ"حماس" والجهاد الإرهابي في سيناء، حيث اتهمت القاهرة "حماس" بضلوعها في الهجمات الإرهابية الأخيرة، التي أودت بحياة واحد وثلاثين جنديًا مصريًا). ولشدة شعور (إسرائيل بالسعادة) فإن هذا الموقع يُشير (إلى سماح إسرائيل لمصر بنشر كتيبتي مشاة وطائرات هليكوبتر في سيناء، وهذا يعني تآكل كل شرط نزع السلاح وهو أهم شروط اتفاقية كامب ديفيد)!! ولأن "دون كيشوت" العربي كذلك؛ فقد قذفت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية كل ما في بطنها من شماتة عندما كتبت تحت عنوان "فك الارتباط المصري مع غزة": (إن الجيش المصري هدم مئات المنازل، ما أدى إلى تشريد العديد من الأسر، ولم توجه إليه أية إدانة دولية جراء ما فعله، على العكس، فقد التمس له الكثيرون العذر لأنه يدافع عن نفسه ضد الإرهاب الذي يُهدد أرضه)!! وها هي صحيفة "هآرتس" العبرية تنضم إلى جوقة المصفقين لهذا الـ"دون كيشوت" العربي وتقول: (ليس لدى مسؤولي مصر وقت للاهتمام بالقضية الفلسطينية، حيث أنهم يقاتلون الإرهاب في ثلاث جبهات؛ سيناء والقاهرة وحدود ليبيا)!! ومع كل هذه الفقاعات الإعلامية فإن السيسي لن يعدو قدره، وسيظل هو "دون كيشوت" العربي .. ولكن لكل أجل كتاب.

رسائل شامية

الشيخ رائد صلاح , رئيس الحركة الاسلامية في الداخل الفلسطيني

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 28 - 16 05/27/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 27 - 14 05/26/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 27 - 13 05/25/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 37 - 18 05/24/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 39 - 22 05/23/2019 - 11:00