معركة غزة الكبرى (6) (غزة والتمزق العربي)

الشيخ رائد صلاح , رئيس الحركة الاسلامية في الداخل الفلسطيني

رفع شاب ذات يوم شكوى على أبيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واتهمه بأنه يريد سرقة ماله. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب الأب، فحضر الأب على الفور إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما سمع ابنه يشكوه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم استعبر الأب وارتجل أبياتاً من الشعر رداً على شكوى ابنه، وقال من ضمن ما قال فيها :

فيا ليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعلُ

وهو قول يصلح أن تقوله غزة العزة اليوم، وأن تخاطب فيه الموقف العربي الرسمي الذي خذل غزة العزة في هذه الحرب الدموية الإرهابية التي شنها الاحتلال الإسرائيلي عليها. ويمكن لغزة العزة أن تخاطب هذا الخذلان العربي الرسمي وأن تقول له مع بعض التصرف في النص:

فيا ليتك إذ لم ترع حق عروبتي فعلت كما الجار المجاور يفعلُ .

فهو الخذلان العربي الذي لاذ بالصمت المشبوه على مدار أيام هذه الحرب الدموية الارهابية. ويوم أن خرج عن صمته الرسمي المعيب اكتفى بصوت الجامعة العربية التي دعت، بعد مرور خمسة وثلاثين يوماً على بداية هذه الحرب الدموية الإرهابية، إلى اجتماع طارئ تحول إلى مادة تندر عند عشرات الآلاف من فرسان مواقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) حيث كتب بعضهم وقال: إن من المضحك المبكي أن تدعو الجامعة العربية إلى اجتماع طارئ بعد مرور خمسة وثلاثين يوماً على بداية هذه الحرب الدموية الإرهابية التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على غزة العزة!! فكيف لو لم يكن الاجتماع طارئاً؟! وكتب بعضهم وقال: هل دعت الجامعة العربية إلى هذا الاجتماع الطارئ لنصرة غزة العزة أم لتأبين شهدائها؟! وكتب بعضهم وقال: نتقدم بالشكر الجزيل إلى الدول العربية التي تحركت لنصرة غزة العزة فوراً، ألا وهي الأكوادور والبيرو والبرازيل وتشيلي وفنزويلا وبوليفيا والسلفادور!! وكتب بعضهم وقال: نطالب بنقل مقر الجامعة العربية فوراً إلى أمريكا الجنوبية!! وكتب بعضهم وقال: مبروك لتركيا وقطر (شهادة الإرهاب) التي منحها لكل منهما ليبرمان بعد ثبوت تورطهما في الانتصار الصريح لغزة العزة!! وكتب بعضهم وقال: أنصحكم يا حكام العرب أن تعِدوا الجواب منذ الآن يوم أن يسألكم الله تعالى، وأنتم بين يديه، عن القتلى الأطفال في غزة العزة! ألم تسمعوا قول الله تعالى: {وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت}؟! وكتب بعضهم وقال: نقترح عقد أقرب اجتماع للجامعة العربية في البوسنة والهرسك، لأن هذه الدولة ملكت الجرأة ورفضت استقبال السفير الإسرائيلي بعد بدايات هذه الحرب الدموية الإرهابية!!

ولا شك أن التعليقات حول هذا الموضوع كانت بعشرات الآلاف في مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك). وما أوردته مجرد أمثله ليس إلا، ولكن من الواضح أن هذه التعليقات تعكس مدى غور التمزق العربي، ومدى تشعب هذا التمزق، فهو أكثر من تمزق وكلها تمزقات حادة. فهناك تمزق بين الأداء الرسمي العربي وبين الواجب المطلوب من هذا الأداء الرسمي. ففي الوقت الذي تجرأت فيه كل من الأكوادور والبرازيل والبيرو وتشيلي وفنزويلا والسلفادور وخطت كل منها خطوة احتجاجية صارخة ضد هذه الحرب الدموية الإرهابية؛ كاستدعاء سفيرها من تل أبيب، وفي الوقت الذي تجرأت فيه بوليفيا ووضعت المؤسسة الإسرائيلية على قائمة الإرهاب، وفي الوقت الذي تجرأت فيه البوسنة والهرسك ورفضت استقبال السفير الإسرائيلي، وفي الوقت الذي تجرأت فيه تركيا وصرّح رئيسها رجب طيب أردوغان أن نتنياهو بات شبيهاً لهتلر في جرائم الحرب التي يرتكبها في غزة العزة، في المقابل لم نجد أي تحرك عربي رسمي يُشار إليه بالبنان يقارب مواقف هذه الدول التي ذكرتها، إلا من تحرك أمير قطر الشيخ تميم، وتحرك المرزوقي رئيس تونس، وتحرك البشير رئيس السودان. وأنا شخصياً لم أسمع عن تحركات رسمية عربية سوى هذه التحركات إلا من تنادي الجامعة العربية لعقد اجتماع طارئ جداً جداً بعد مرور خمسة وثلاثين يوماً على بداية هذه الحرب الدموية الإرهابية!!
ثم ماذا ؟!

إلى جانب هذا التمزق في الأداء الرسمي العربي فقد بات واضحاً غور التمزق بين الأداء الرسمي العربي والأداء الشعبي العربي. فهي الشعوب العربية التي سيبقى الخير فيها إلى يوم القيامة. وهي الشعوب العربية التي تحركت رغم أنها مثخنة بالجراح لتنتصر لغزة العزة في كل من مصر والأردن ولبنان وتونس والمغرب والجزائر واليمن وموريتانيا والسودان والعراق ودول الخليج العربي والسعودية. ولو حظيت بقسط أكبر من الحرية لكان تحركها أكبر. وهي الجاليات العربية التي تحركت في كافة مواقع وجودها؛ سواء كانت في القارة الأوروبية أو الأمريكية أو في اليابان أو الصين أو أستراليا أو كندا. فقد تحركت ونظمت مسيرات ومظاهرات ومهرجانات غير مسبوقة في كل هذه المواقع، وصنعت جواً من الحصار العالمي على المؤسسة الإسرائيلية، وصنعت رأياً إعلامياً عالمياً بات يلعن الاحتلال الإسرائيلي، وبات يطالب بتقديمه للمحاكمات بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضد الانسانية!!

ثم ماذا ؟!
إلى جانب مظاهر هذا التمزق التي ذكرتها فقد بات واضحاً غور التمزق بين الأداء الرسمي العربي وبين أداء سلاطين العلماء ولا أقول علماء السلاطين، فها هم الكثير من سلاطين العلماء باتوا مطاردين من قبل أجهزة القمع العربية الرسمية لأنهم قالوا كلمة حق انتصروا فيها لغزة العزة، ما دفع هذه الأجهزة القمعية الرسمية، التي تتقن فن التجسس على شعوبها وسلاطين علمائها فقط، أن تسحب جنسية هذا العالم، أو أن تفرض على ذاك العالم الإقامة الجبرية، أو أن تمنع عالماً ثالثاً من السفر، أو أن تلقي عالماً رابعاً في غيابة السجن، أو أن تعدم عالماً خامساً بدم بارد، أو أن تسلط على عالم سادس صعاليك الشبيحة والبلطجية وأشباههم وأشباحهم!!
ولكن ما كتبته هو وصف سوء هذا الحال وليس إعلان يأس من سوء هذا الحال. فأنا على يقين أن التغيير قادم، وأن التغيير قريب، وأن الربيع العربي سيواصل حراكه. وحتى يتحقق ذلك أقول بلاد تردد: لا تنتظروا الخير من العالم العربي حتى تلتقي فيه إرادة الحكام مع إرادة الشعوب مع إرادة العلماء.

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 32 - 23 07/16/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 31 - 21 07/15/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 30 - 22 07/14/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 29 - 23 07/13/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 29 - 22 07/12/2018 - 10:00