أعطوا الأعراس حقّها!!

الشيخ خالد حمداانطلقت الأعراس والأفراح لهذا العام انطلاقة قوية ومبكّرة مع بداية شهر نيسان, وبالطبع صاحبتها ويُصاحبها وبقوّة التذمّر الشديد من كثير من الناس, إن لم يكن الجميع.
ومع مباركتنا لأصحاب الأفراح أفراحهم, ومشاركتنا لهم بالحضور, وبالكلمة الطيبة والدعاء, فهذا لا يمنع من أن ننصح بعضنا بعضاً, ونذكّر بعضنا بعضاً, إذ نقف على أهمّ وأكثر ما يتذمّر منه النّاس, لعله وعسى يجد آذاناً صاغية, وعقولاً واعية, تحرّك فينا روح العزيمة والمبادرة للتغيير والإصلاح.
أولها: المبالغة في الإنفاق على العرس وفي نقوط العرس, لدرجة أصبح فيها العرس كابوساً على أهله ومدعويه, بدلاً من كونه مناسبة فرح وسعادة وسرور!!.
لأنّ العرس وحسب الموضة الجديدة, يبدأ حقيقة قبل أسبوعين من تاريخه المحدّد, إن لم يكن أكثر ولا أبالغ, وهذا ما يطلق عليه "التعليلة"!!.
وعندئذ كان الله في عون العريس, وأهل العريس, وأعمامه, وأخواله, وعمّاته وخالاته, وأقربائه وجيرانه, وأصحابه ومعارفه, فالكلّ ينبغي أن يُسجّل حضوره يومياً, وأن يُقدّم مشاركته من الفاكهة أو الحلوى وإلا... فالأيام دول, فيوم لك ويوم عليك!!.
وهذه الأيام, أو قل هذه الأسابيع, التي تسبق العرس هي مقدّمات متواضعة لما هو أكبر وأعظم بكثير.هي ليلة الحنّاء, ثمّ ليلة العرس, فلكلّ ليلة منهما ما يناسبه من الحضور, ومن الموائد والطعام وأصناف المأكولات, وألوان المفرقعات. 
صحيح أنّ العريس وأهله تظهر على محياهم الابتسامات العريضة, وتلفّهم "البدلات الرسمية", وتزيّن صدورهم ربطات العنق "الكرفتات" الأنيقة, ولكن لو دخلنا إلى حقيقتهم لربّما فاجأتنا وصدمتنا كثرة الهواجس والحسابات, وشدّة الهموم, وآثار الإرهاق, ولسان الحال والمقال يقول: يا ليتنا خففنا.. ويا ليتنا اقتصدنا... ويا ليتنا اعتدلنا ولم نبالغ في التبذير والإسراف!!.
وأنا أؤكّد على ذلك, وأقول أنّ المشكلة ليست في كثرة النّاس أو قلّتهم, وإن حلا للبعض أن تكون الدعوة حسب دفتر الهاتف, والقوائم الطويلة العريضة, إنّما المشكلة في أنفسنا التي تحرّكها دوافع الغيرة, والحسد, والمباهاة, والتقليد الأعمى, والخيلاء والتكبّر, وحتى لا يقال ... وإن وصل به الأمر إلى أسفل سافلين!!.
وإلا لو أنّنا دعونا البلد كلّه عن بكرة أبيه, واقتصدنا الولائم المترفة, والتي يذهب الكثير منها إلى حاويات النفايات... إلى تشريفات خفيفة لطيفة, لاستطعنا ذلك, وبيسر وسهولة, ولرحمنا أنفسنا, ورحمنا المدعوين من "ضريبة النقوط" التي باتت تقضّ مضاجعهم, وبالذات أصحاب الدخل العادي, أو الدخل الكفاف, ولا أقول الدخل المنخفض!!.
ماذا علينا لو استجبنا لنداء الحركة الإسلامية في هذا الأسبوع بتحديد النقوط, بحيث لا يتجاوز الخمسين شاقلاً, مقابل التخلّص من الولائم, والاكتفاء بتشريفات خفيفة, نخفّف بذلك عن كواهلنا, ونسعد بأفراحنا, ونخرج منها كفافاً لا رابح ولا خاسر!! ولاستجبنا قبل ذلك وبعده لقول ربّنا جلّ وعلا: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كلّ مسجد وكلوا واشربوا ولا تُسرفوا إنّه لا يُحبّ المسرفين}.
ولقول نبينا صلى الله عليه وسلم: "كلوا واشربوا والبسوا وتصدّقوا من غير مخْيلة ولا سَرَف, فإنّ الله يُحبّ أن يرى نعمته على عبده" رواه أحمد والنسائي وابن ماجة.

ثانيها: المبالغة في سهرة العرس, وما يصاحبها من صخب السماعات, ودويّ الأسلحة النارية والمفرقعات, إنّه ليس من المعقول والمنطق, ولا من الذوق والخلق, قبل الحديث عن القانون وتطبيق القانون أن تستمر سهرات أعراسنا إلى منتصف الليل وما بعده بساعة أو يزيد!!.
والأصعب من ذلك وأنكى ذلك الصخب الشديد الذي ينطلق من السماعات عبر الأثير, بصوت قوي صاخب, لا أقول ليزعج الحيّ كلّه, بل ليزعج البلد كلّها, ولا عيب ولا حرج, فالنقد ممنوع, والتذمّر مرفوض, لأنّه يوم فرح العريس أو العروس, والكلّ فيه مباح, لدرجة أنّنا نفقد كلّ الضوابط أو معظمها, حتى يحلو للبعض أن يدّعي -جهلاً وبهتاناً- أنّ هذا اليوم لا يُحاسب عليه الإنسان!!.
والأشدّ من ذلك وأدهى تحوّل أعراسنا إلى جبهات نار مفتوحة, لا سيما إذا اجتمع أكثر من عرس أو حفلة في ليلة واحدة.
وكما قيل في حماسة الرجال: "إنّ نفس الرجال يحيي الرجال", فهذا ينسحب كذلك على كثرة وقوّة استعمال الأسلحة النارية والمفرقعات, حتى يجوز لنا أن نقول: "إنّ لهيب النّار يحيي النّار", والعياذ بالله من النار ومن ألعاب النار ومن عذابها, ومن لهيبها, ومن إزعاجها... وحتى من بائعها ومشتريها ومستعملها!!.
أنا وغيري الكثير الكثير قد نستوعب استعمال الألعاب النارية والمفرقعات بأصواتها المدوية المزعجة في افتتاح العرس أو السهرة, مع أنّني أمقتها وأرفضها في كلّ الظروف والأحوال!!. 

ولكن الذي لا يُستوعب ولا يُستساغ أن تنطلق هذه الأصوات المدوية في ساعات متأخّرة من بعد منتصف الليل!!.
بالله عليكم, ما ذنب غير المشاركين في العرس وفي تلك الحفلة؟ أو شاركوا وعادوا إلى بيوتهم ليأخذوا قسطهم من الراحة والنوم؟!.
وما ذنب الأطفال؟ وما ذنب الموظّفين والعمّال؟ وما ذنب الشيوخ والمرضى؟ وما ذنب أهل الحيّ كلّه, وأهل البلد كلّه؟!.

ثالثها: إغلاق الشوارع والطرقات وما يُسبّبه من ازدحامات مرورية, واختناقات نفسية ومعنوية, تصيب كلّ من يستعمل هذه الطرقات من النّاس عموماً, ومن أصحاب الحيّ أو الأحياء المجاورة المرتبطة به على وجه الخصوص. مع العلم أنّه هناك خيارات وبدائل أرقى وأفضل وأسهل على الجميع, سواء في القاعات المغلقة, والمنتزهات, وهي في تزايد وتكاثر, أو في ساحات المدارس وهي كثيرة ومتوفّرة في كلّ حيّ كذلك!!.
فلماذا نضيّق على أنفسنا, ونضيّق على غيرنا, ولا نعطي الطريق حقّها كما أوصانا نبينا الحبيب صلى الله عليه وسلم بقوله: "أعطوا الطريق حقّها...".

وأخيراً: هكذا أهلنا وأحبابنا نعطي الطريق حقّها... ونعطي الأخلاق والأذواق حقّها... ونعطي الأعراس والأفراح حقّها!! أدامها الله علينا وعليكم بالخير واليمن والبركة.

 

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 31 - 19 09/20/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 33 - 22 09/19/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 33 - 21 09/18/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 32 - 18 09/17/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 29 - 20 09/16/2019 - 11:00