كرة القدم وتردي القيم

لقد أصبح الآن منتخب الجزائر هو ممثل العرب في المنافسة العالمية الكبرى ، فهو ممثل مصر والجزائر ، بل وكل العرب ، وبازاء الرغبة الجارفة لدى العرب بأن بفوزوا بكأس العالم فان الأجدى لهم أن يفكروا بطريقة تجعلهم يحوزون يوما على هذا الذي يريدون ، تماما كما الهبوط على سطح القمر . فاذا كل دولة سوف تفكر منفردة بذلك فانها لربما تصل ، لكنها بالتأكيد سوف تستطيل بالزمن طويلا طويلا ما يجعل الربما في دائرة احتمال يلفها الغموض ، فالأجدى أن يكون الفكر جماعيا والفعل كذلك ، فهو الفكر المشتق من دائرة منطق وحدوي وهو في كل حال الفرصة الوحيدة للتألق في مجال الرياضة والعلوم بل وفي بعث حضارية عربية واسلامية على كل قياس .

وبشأن المنافسة بين فريق الجزائر وفريق مصر ، فلقد بدت على السطح ظاهرتان تحتاجان منا جميعا أن نلتفت اليهما بكل الوعي الفاعل الذي يستهدف بحثا عن درب الى نمو وتطور ، وهما التعصب واللاتمدن (بمعنى تغييب العقل بأثر الانفعال) ، فلقد بدا الانحياز لفريق دون آخر قائما على الانتماء لبلد ، ولم يقم على مبررات تتجاوز ذلك ، فلم نجد دورا للعقل باديا في سردية له ، تبين لنا ماذا يدعو عربي من مصر الى الامتناع عن مناصرة لاعب في فريق الجزائر ، أو مناصرة الفريق برمته ، فلماذا هذا الأخ المصري ينحاز الى لاعب في فريق أوروبي أو لفريق أوروبي ، ويمتنع عليه أن يكون بمثل حال كهذا مع أخ له في الجزائر ، وكذلك الشأن مع أبن للجزائر ، فلماذا ؟ بأس العرب بينهم شديد في هذا السياق الرياضي .. هل هو غياب العقلانية ، فبرغم المدينة وسكناها ، الا أنها لم تتجاوز بالوعي الى أن يتأسس على فكرة الحرية وعلى فكرة التعقل ، على أساس منطق تناول علمي للواقع وما ينضح به من متغيرات ، فظل العقل في بعض حالات فاعليته أسير هواجس وظنون وفلتات مشاعر ، بلا اخضاع لها جميعا للعقل في تناولها وتحديد موقف حيالها ، وهو الموقف الذي يستوعب متغيرات كثيرة ، أولها الهوية والغايات السامية لأمة بحالها ، فهذا الذي يتعقل انما هو الفرد الاساس الذي مع غيره تتشكل الجماعة البشرية التي يفترض أن تنهض بذاتها ، وتعلو بواقعها الى غايات تساورها ولا تفارقها ، فلماذا استبقاء الانفصالية أو الازدواجية ، فعلى جانب ترى وجها وعقلا بارعا في سرده موجبات نهضوية أمة ، وعلى وجه آخر تراه بعينه غائرا ، في ملفوظات ومشاعر تمتلكه تنم كلها على أن هذا ليس ذاك وليس ثمة رابط بينهما ، فبأكثر من شخصية يحيا هذا الذي لربما يوصف بمثقف ، وهو الذي برغم كل سعة معلوماته ودراساته ، لم تبلغ به هذه الى تثقيف علاقاته بالواقع فيغدو في تناوله له ، كما هو حال تناوله لمسألة تخص المصير ، ويصبح عليه أن يقول قولة العلم فيها .

وها هي كرة القدم تقدم لنا بكل الدلالات الفصيحة في تعابيرها ، على أن هذه الشخصية العربية فارغة من مضامين ، كان الأجدى أن تكون معمورة بها ، فلقد بدا المشهد وكأنه فصل خريف الشخصية التي على غير وعي منها ، دللت بسلوكها على مكنون ذاتها وأفصحت عنه بسلوكها ، وبكل ما يدل على حقيقة القيم التي تسكن مخ السلوك الانساني في ذاتها ، فها هي شخصية عربية عارية من كل ستر لها بثياب من كلام معسول ، ها هي وهذه حقيقتها ، ولن ينفع البكاء على عروبة هذه هي ، وهذه أحوال شخصية عربية تسرح في كينونتها ، تصرخ في فضاء كل وعي حصيف بالسؤال ، لماذا وماذا هو الفعل الخلاص .. ماذا يمكنه عمله بازاء ذلك ؟

فأولا هو عدم التيه والحيرة بل استشفاف الفهم الحقيقي برده الى أسبابه ، وتحديد ما يتوجب عمله في مستوى التربية في المدارس وفي الفضاء العام ، فهي مسؤولية مستقبل آت ، فاستقباله بما يتوجب عساه يختلف بمضاف هو توافر القيم في سلوكيات أمه ، فغيبة القيم تأسيس لاستبعاد التفاهم وبتر للتواصل فتمزق ، وهو نتاج مخالف لحلم بالتطور وبالوحدة وحلم بالقدرة القادرة على تحقيق الغايات ، وليس الحل آت بحال من شعارات جميلة أو اعلان مواقف نبيلة وفقط ، فصناعة الأمم لا تتأتى ببيانات ولا بتصريحات ، على أهميتها ، فهنا نحن بصدد رجوع تاريخ الى دور في التاريخ ، ويتجلى هذا في ما يشبهه ، فكل الجماهير وحدة واحدة تشتعل عزما على تحصيل هدف واحد ،وثمة الآخر الذي يجب تحقيق النصر عليه ، وهذا حال يشبه الى حد كبير حال معارك ضارية تخوضها الأمة لكي تتصدر صدر التاريخ ، ولطالما قيل لهذه الأمة أنت عظيمة، وأنت من تصدرت زمنا طويلا قيادة التاريخ ، وأنت من حققت انتصارات ساحقة على أعدائك ، ولطالما أطل عليها التاريخ بكل حقائقه، من فم كتب أو سرد أو من فم منبر يهتف بالامجاد بينما الذي يهتف لم ينتبه الى أن ملابسه لا تجيد اليوم أمته صناعتها ، وليس هذا فقط ، فما بين صوت يدوي في أعماقها ، بأنها يجب أن تعود الى قيادة التاريخ ، وبين بؤس حالها ومرارة واقعها ، اجترعت بؤسها ، وكان اللاوعي ، وكرة القدم نطاقا ، تغتسل فيه ، من مرارة تشقيها .

والمحزن في المشهد كله هو تراجع العقل الفاعل برمته ، بازاء لاوعي بدا في ضبابية ، تم تلفيقها لستر عدوان على حافلة ، تقل الفريق الجزائري على الطريق الواصل ما بين المطار وبين فندق آوى الفريق الجزائري ، فلقد سالت دماء من وجوه بعض اللاعبين وظهرت حقيقتها على شاشة التلفاز ، وبرغم ذلك كان للضبابية عقل يصر على تفعيل دورها في خدمة الوهم ، بينما كان الأجدى أن تقوم المخابرات المصرية ، بكل دور فاعل بحيث يكون دورها مؤثرا في القناعات ، فتنشر الأمان في النفوس وتعزز الثقة ، وهو ما كان يمكنه أن يضيف احتراما وهيبة ، ويمنع من التنافس في جوانب منه أن ينزلق الى ما انزلق اليه ، بأثر أوهام استولدت أوهاما ، وضبابية أنجبت كل قلق واهم ومتهافت على ما لا يتفق لعقل ، لكنها الضبابية المرعبة التي لم تحسب بغير كونها الستر لحقيقة يراد لها أن تتلاشى بضباب ، وما درى مبدعها ، بأن هذا القياس ، انما هو الذي لم يعرف أن يقيس ، سوى مقدار عماء البصيرة التي أبت في ساعة من اعتباط جهل ، الا أن لا ترى بشمولية العقلية العلمية المحيطة التي تحسب الفعل وآثاره المحتملة ، تاهت العقول عن قدراتها ، واندلقت بكل غير مقبول من ملفوظات ومواقف تسىء وتمزق وتؤثث لتنافر لا يضيف في أمن ولا أمان ، غير خلل وتشتت عن أهداف كانت هي الأولى بالحرص عليها ، ومع ذلك فلقد غاب عن مبدعي تلك الضبابية بأن تلك الدماء الزكية النقية الطاهرة ، التي أسالها اللاعقل بعنف جاهل وراحت تفترش وجه لاعب كرة جزائري ، لا ذنب له سوى أنه الذي يصح لكل عربي أن يعتز به ، سوف تجعل من اللاعب الجزائري يتحرك في الملعب ، بعزيمة ما كان يمكنه أن يتحرك بها ، من دون هذا الزعل الذي استبقته له في نفسه هذه الدماء ، فهي مضاف في بعث قدرته وانطلاقها ، وهو في قرارة نفسه ، لن يكل ولن يمل حتى يرسم فوزا حقيقيا للجزائر في هذه اللعبة ، التي يدري عنها ، بأن فوزه فيها ، انما هو ، بالاضافة الى كونه تحقيقا لامنيته وأمنية فريقه ، فانه رده الشخصي على من كان سببا في اسالة دمه ، فالعوامل النفسية عميقة الأثر في استنهاض قدرات ، لربما بغيرها ما كان يمكن استنهاضها ، وبأن تلك الضبابية ما يمكنها الا أن تكون باعثة قلق جارف ، في قطاعات واسعة ، والى حد توليد لردود فعل ، لربما تنزع بالبعض الى الرغبة في الانتقام ، وهي مسألة بواعث ودوافع ونزوع واستواء على رد فعل متلائم ، بعقلية منفعل بوعي أو بغير وعي ، مع حالة الاستنفار في حالته الشعورية ، وليس ثمة غرابة في قول الصحافة الرياضية في الجزائر وخاصة منها "الهداف" ، بأن المنافسة في الخرطوم بين فريق مصر وفريق الجزائر انما استحالت الى موقعة شرف ، فعلى ما قلنا ، فان جوهر هذا الاحساس العميق لدى الجزائري ، انما كان انبثاقا من جملة الضبابية التي أطلت من داخلها تلك الدماء على وجوه بعض من لاعبي الجزائر ، فتلك أنجبت ذلك السلوك لبعض من الجزائريين ، والذي ضاقت به مصر وكل من به رغبة عميقة بالارتقاء الى المستوى الذي يليق بنا نحن العرب ، فالرياضة مناسبة أخلاق وقيم وتعارف ومنافسة تضيف في علو قامة العرب ، لا تتردى بهم الى دون من خلق لا يتفق لهم ، مع أي جوهر مكنون في حضارة كانوا عليها أو يحلمون بها ، وأحسب بأن الدموع في عيون الممثلة العربية البارعة فردوس عبد الحميد ، على قناة دريم وأمام العربية الفلتة منى الشاذلي ، لكافية دلالة على أن ثمة جراح ، في النفس استولده عدوان مجموعة من الجزائريين على حافلة أقلت مصريين ، وأقول هذا على الرغم من صدق السودانيين بأنهم قاموا بكل ما أمكنهم من رعاية للمنافسة ، ومن حضرها من مصريين وجزائريين ، فثمة خلل قد أفضى الى مشهد استبقى الدموع في عيون فردوس عبد الحميد ، وذلك لا ينفي صدق السودانيين الذين قاموا على الأمن بكل جدارة ، لكن الحالات الشاذة على كل ما بها من آلام لا يمكن بحال أن تكن فرصة للاسراف الى ما لا يصح ، من تجاوز حدود الأخطاء الى نسخ لها ، على جملة الوضع العام ليصبح الكل في خطر وذلك نتاج رغبة الكل في صناعة الخطأ ، فهذا اللامعقول الناتج من اللامعقول الذي أفضى به اللاعقل الذي أبدعه في ساعة ألم حزن جارف ، ساور العقل وأورده موردا ما لاق ولا يليق به ، فهو عقل يا طالما كان المعلم والاستاذ لغيره ، وجملة القول بأن الورود كانت أبلغ تعبيرا عن جماهير مصر وقت استقبال ابطال اخوة ، وكان يمكنها الورود أن تكتب وجها آخر ، لكن على ما يبدو فان كرة القدم وتردي القيم هي الموضوع الذي تركته هذه المنافسة الكبيرة بين الاخوة ، ولا مجال أمام كل ذي حس بعروبة واسلام الا أن يتوقف ويتساءل بازاء هذه القيم التي تردت وتركت أسفا.

لقد جاب مصر حزن كبير ، وهو حزن مبرر ، لما لفريق مصر من قدرات فذة ، فهو مفخرة لكل العرب وعلى كل قياس ، وبدا هذا الحزن آخذا بناصية العقل ، فتجلى العقل فالتا من عقاله ، فلا عقال يعقله ، والمؤسف حقا بأن أحدا لم يظهر ، ليدلل على غير ما نقرر هنا ، من وضعية عقل تاه في اللافهم ، لعدم الفوز فجنح عن عقاله ، فكل الشواهد تدلل بأنه لم يفلت أحد من غيبوبة فكر بدت على لسانه ، فتاه العقل في داخل المرارة ولاكها وتلفظ بها ، وهو في خلال سردياتها الجانحة ، بين واقع وبين ما هو مقصور على واقع لا يعرف لها وجها ولا حالا ، كان العقل الفالت من كل موضوعية ، والهائج بكل عاطفة تغمره بكل الجاهزية ، ليصرف كل مبررات الخسارة ، على كل ما لا علاقة له بكرة قدم ، ومنافسة في داخل ملعب ، بل وتعدى ذلك الى الانتقال من علاقة بمنافسة الى علاقة بموقعة وعدوانية ، تم اشتقاقها من إيماءات وإشارات ، تهيئ للعقل انشاء معبأ بكل ملفوظات التوصيف لمذبحة ، كان يمكن أن يتعرض لها أبناء مصر على يد الجزائرين ، وفي خدمة هذا التوصيف انداح العقل الى تصوير المؤيدين الجزائريين الراقصين فرحا لفريقهم بأنهم من أهل الجريمة ، فهذا عقل فلت من عقاله .

فأي حال هذا الذي لا تجد فيه الحكمة في ساعة من زمن بيتا تأوي اليه ، وأي حال هذا الذي تغدو فيه المسؤولية قيد ايماءة جهل متدحرج بكل ما هو يطعن بعلاقات بين اخوة هي حاجة مصير مشترك ، أمعقول أن يكون رئيس مجرورا بجاهل ، بلا انها حكاية هذه المنافسة التي قضت بحصول ذلك ، فهل حقا هو هذا زمن انحطاط ، وقد تراجع الأمل في التفكير في نهضة علمية تنهض بالاقتصاد وتعلو بالسياسة الى ما يعانق الامال الكبيرة ، هل اصبح البحث عن القادة في مراتع هواة كرة قدم أو فساد في هذه الجهة أو تلك أو في حوزة تآمر ليأكل هذا من لحم أخيه ، فأين الحكمة ، وأين الاشتقاق للفكاك من الأزمات الصغرى بالأعمال الكبرى ، أليس القادة هم بمعنى كلمة قادة ، فاذا أصبحوا منقادين بأخطاء هنا أو هناك ، بتحصيل من فتيان أخذتهم حمية وحماسة ولف بهم الجهل ودار دورته ، وكانت نتاج ما قاموا به في مراتب زعل ، صبوه قطرانا في حلوق أبرياء من هنا ومن هناك ، فأين العقل ، هل بات ولم يفق الى الآن أم هو مستور بساتر الاسترضاء ، لجماعات ممن جمعوا أنفسهم على جملة أفعال وردود أفعال ،أوصلت الى ما لا يصح ولا يكون مقبولا بحال ، فهل القائد بمعنى الاستهواء للعبة جرها اليه جاهل .. أمعقول هذا .

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 25 - 14 04/19/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 31 - 14 04/18/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 29 - 15 04/17/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 26 - 12 04/16/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 25 - 13 04/15/2018 - 10:00