ارحم نفسك وارحمنا (1)

رغم أني واحد من هذا المجتمع الفلسطيني في الداخل، ورغم أنك واحد منه كذلك إلا أنك قد تكون أقوى مني في حسابات الدنيا؛ فقد تظلمني وقد تتجرأ عليّ أكثر فتؤذيني في دمي أو مالي أو عرضي، ولكن لو تفكرت بما تفعل بي قليلا، لوجدت أنك خاسر لأنك ظلمتني وآذيتني، أو ظلمت أو آذيت أي واحد آخر غيري. ولو تفكرت أكثر وأكثر بما تفعل لوجدت أنك في حاجة ضرورية إلى أن تمتنع عن ظلمي أو ظلم غيري وعن إلحاق الأذى بي أو بغيري، كي تحسن كيف ترحم نفسك وكيف ترحم زوجتك وأولادك وأحفادك وسائر ذريتك أولا، قبل أن تتدارك حالك معي أو مع غيري فتكف عن ظلمنا وعن أذانا، وبذلك ترحمنا. فإن الظالم يؤذي نفسه أولا قبل أن يؤذي من ظلم، ولذلك فهو في حاجة ضرورية إلى أن يكف عن ظلم الآخر وعن أذاه بهدف أن يرحم هذا الظالم نفسه أولا قبل أن يصحو ضميره ويدعوه إلى رحمة الآخر، وإلا فدعني أقول لك: هل سألت نفسك ماذا كان مصير الظالمين؟! وماذا كانت عاقبة من طغى فآذى من ظنه ضعيفا في دمه أو ماله أو عرضه؟! وهَبْ أنك نجوت من عقوبة القانون الوضعي في الدنيا، فهل ستنجو من عقوبة قانون الحساب الرباني يوم القيامة؟! وهب أنك ظلمت من ظلمت أو آذيت من آذيت ولم يرك أحد من البشر، ألا تعلم أن الله تعالى يراك؟! ألا تعلم أن الله تعالى يعلم السر وأخفى؟! ألا تعلم أن الله تعالى يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟! وهَبْ أنك عشت كما شئت وظلمت كما شئت وآذيت كما شئت، فهلا سألت نفسك: ماذا بعد عيشك، وإن طال حتى قارب المائة سنة؟! وماذا بعد ظلمك وإن أشبعت غرورك الخدّاع بأنك "قبضاي"؟! وماذا بعد ظلمك وأذاك وإن حدثتك نفسُك ساخرة منك وكذبت عليك مدّعية أنك أصبحت مرهوب الجانب والكل بات يخاف منك ويحذر أن يغضبك ويفر من ظلمك وأذاك؟ والله إنك مسكين مخدوع خاسر!! وقلبي عليك، وإن آذيتني وآذيت غيري، وإن ظلمتني أو ظلمت غيري!! فيا أيها المسكين المخدوع الخاسر الذي هو أنت؛ متى تسأل نفسك ما كتبت لك في هذه المقالة؟! ومتى تقف على الجواب الكافي الشافي الذي يوقظك من نومك يا نائم!! ومن غفلتك يا غافل!! ومن تيهك يا تائه!! ومن غرورك يا مغرور!! ومن قسوة قلبك وأنت لا تعلم!! ومن ضيق صدرك وأنت لا تدري!! ومن سوء العاقبة قبل أن تدركها نادما في وقت لا ينفع فيه ندم!! ويا أيها المسكين المخدوع الخاسر؛ دعني أؤكد لك أن مولاي إلهي ربي يأمرني أن أحرص عليك طامعا لك بالخير، وإن حرصت أنت على ظلمي وأذاي، أو حرصت على ظلم غيري وأذاه!! ولذلك دعني أضع بين يديك مشاهد لنهايات بعض الأشرار أو الأخيار علـّها تنبه قلبك من رقدة الغفلة، طامعا لك أن تهجر درب الأشرار ونهاية الأشرار، وأن تختار لنفسك درب الأخيار ونهاية الأخيار!! فإنك وإن ظلمت من ظلمت وآذيت من آذيت فلا يزال فيك الخير نائما أو غافلا أو محجوبا أو مقيدا أو محاصرا. والمطلوب أن تعلم أنك لست ظالما في الفطرة ولا شريرا مطبوعا على الشر ولا مؤذيا من المهد إلى اللحد، بل كما أنت اليوم ظالم وشرير ومؤذ فقد تكون اليوم -إن قررت- أو غدا رحيما أو شفوقا ومتسامحا!! ويا ليتك تثق بكلامي ولا تعجب مما أقول لك!! ويا ليتك لا تيأس من سوء الحال الذي أنت عليه!! فهيا استمع الآن إلى نهايات بعض الأشرار أو الأخيار، ومرحبا بك سلفا أخا تائبا لله وفي الله وبالله:

1. إنه بـِشـْرُ بن مروان الأموي، أخو عبد الملك بن مروان، وُليَّ إمرة العراقيين لأخيه عبد الملك. ورغم هذا المنصب الرفيع فقد مات. وكان سبب موته أنه وقعت القرحة في عينه، فقيل له بقطعها من المفصل، فجزع، فما أحس حتى خالطت الكتف، ثم أصبح وقد خالطت الجوف ثم مات. ولما احتـُضِر جعل يبكي ويقول: "والله لوددت أني كنت عبدا أرعى الغنم في البادية لبعض الأعراب ولم آل ما وُليت". فذكر قوله لأبي حازم -أو لسعيد بن المسيب– فقال: "الحمد لله الذي جعلهم عند الموت يفرون إلينا ولم يجعلنا نفر إليهم. إنا لنرى فيهم عبرا"!! وقال الحسن: "دخلت عليه فإذا هو يتململ على سريره، ثم نزل عنه إلى صحن الدار والأطباء حوله"، ولكنه مات!! فيا أيها المسكين المخدوع الخاسر، هب أنك وصلت إلى ما وصل إليه منزلة وجاها ومنصبا، ألم يمت؟! وأنت ألن تموت؟! فمتى تظل تبحث عن سراب؟!

2. إنه أبو ثعلبة الخشني، صحابي جليل شهد بيعة الرضوان وغزا حنينا، ورغم أنه كان من الأخيار، ورغم أن خيره كان بحجم الجبال، إلا أنه كان مستعدا للموت!! لذلك كان في كل ليلة يخرج فينظر إلى السماء فيتفكر ثم يرجع إلى المنزل فيسجد لله عز وجل وكان يقول: "إني لأرجو أن لا يخنقني الله عند الموت كما أراكم تختنقون"، فبينما هو ليلة يصلي من الليل إذ قبضت روحه وهو ساجد، ورأت ابنته في المنام كأن أباها قد مات، فانتبهت مذعورة فقالت لأمها: أين أبي؟ قالت: هو في مصلاه، فنادته فلم يجبها فجاءته فحركته فسقط لجنبه فإذا هو ميت رحمه الله!!

فيا أيها المسكين المخدوع الخاسر؛ أية ميتة تختار؟! الأولى أم الثانية؟! أتريد أن تفرض ظلمك وأذاك علينا ثم تقول عند الموت: "والله لوددت أني كنت عبدا أرعى الغنم في البادية لبعض الأعراب"؟ أم تريد أن تموت وأنت سليم القلب ومنشرح الصدر ومطمئن النفس وقرير العين؟!
3. إنه الأسود بن يزيد، كان صاحب عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، وكان من كبار التابعين، وكان يصوم الدهر، وقد ذهبت عينه من كثرة الصوم، وقد حج البيت ثمانين حجة وعمرة، وكان يهل من الكوفة، وكان يصوم حتى يخضر ويصفر، ومع هذا السجل الأبيض النقي الحافل بالخير ثم الخير إلا أنه حريّ بك أيها المسكين المخدوع الخاسر أن تعرف كيف حاله عند الموت؟! حيث أنه لما احتـُضِر بكى، فقيل له: ما هذا الجزع؟ فقال: "ما لي لا أجزع؟ ومن أحق بذلك مني؟ والها لو أنبئت بالمغفرة من الله لأهابنّ الحياء منه مما قد صنعت. إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو عنه فلا يزال مستحييا منه"!! فيا أيها المسكين المخدوع الخاسر؛ هل مات حسك حتى غدوت بلا شعور حتى لا توطد نفسك منذ الآن على إحسان الإجابة المنجية بين يدي الله تعالى؟!!.

4. وهذا عبد العزيز بن مروان، كان واليا على الديار المصرية، وكان كما يقول عنه ابن كثير في كتاب "البداية والنهاية" قد جمع ((.... من الأموال والأثاث والدواب والخيل والبغال والإبل وغير ذلك ما يعجز عنه الوصف، من جملة ذلك ثلاثمائة مدّ من ذهب غير الورِق...))، إلا أنه رغم كل هذه الزينة التي قد جمعها فقد مات! وكيف مات؟! لما حضرته الوفاة أحضر له ماله يحصيه، وإذا هو ثلاثمائة مدّ من ذهب فقال: "والله لوددت أنه بعرٌ خائل –أي متناثر– بنجد". وقال: "والله لوددت أني لم أكن شيئا مذكورا، ولوددت أن أكون هذا الماء الجاري أو نباتة في أرض الحجاز". وعند الاحتضار قال لمن قاموا على تكفينه: "ائتوني بكفني الذي تكفنوني فيه"، فجعل يقول: "أف لك ما أقصر طويلك وأقل كثيرك"!! فاحذر أيها المسكين المخدوع الخاسر أن يدفعك ظلمك إلى أن تجمع من زينة الدنيا ذهبا وفضة وشواقل ودنانير ودولارات ويورو ثم تخاطبها عند الموت وقد تمثلت لك مجرد أوراق ليس إلا فتقول لها: "يا ليتك بعرٌ متناثر في المزابل"!!

5. وهذا عبد الملك بن مروان، الخليفة الأموي المعروف، الذي حكم الشام والعراق وفارس وما وراءها، والجزيرة ومصر وما وراءها، ولكنه رغم ما أوتي من سلطان واسع إلا أنه قد مات. وقد شاء الله تعالى له أن يرى قبل الموت إرهاصات الموت، ومنها أنه قد أذن في آخر حياته للناس في الدخول عليه إذنا خاصا، فدخل شيخ رث الهيئة لم يأبه له الحرس فألقى بين يدي عبد الملك صحيفة وخرج، فلم يدر أين ذهب، وإذا فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم؛ يا أيها الإنسان إن الله قد جعلك بينه وبين عباده، فاحكم بينهم بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله.. (إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) (سورة ص: 26)، (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم * يوم يقوم الناس لرب العالمين) (المطففين: 4-6)، (ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود * وما نؤخره إلا لأجل معدود) (هود: 103-104)... إن اليوم الذي أنت فيه لو بقي لغيرك ما وصل إليك؛ (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا) (النمل: 52)، وإني أحذرك يوم ينادي المنادي (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم) (الصافات: 22)، (ألا لعنة الله على الظالمين) (هود: 18)". فتغير وجه عبد الملك فدخل دار حرمه ولم تزل الكآبة في وجهه بعد ذلك أياما، وكتب زر بن حبيش إلى عبد الملك كتابا وفي آخره: "ولا يطمعك يا أمير المؤمنين في طول البقاء ما يظهر لك في صحتك فأنت أعلم بنفسك، واذكر ما تكلم به الأولون:
إذا الرجال ولدت أولادها وبليت من كبر أجسادها
وجعلت أسقامها تعتادها تلك زروعٌ قد دنا حصادها
فلما قرأه عبد الملك بكى حتى بلَّ طرف ثوبه، ثم قال: "صدق زرّ، ولو كتب إلينا بغير هذا كان أرفق". ثم إن عبد الملك بن مروان خطب يوما خطبة ثم قطعها وبكى بكاء شديدا، ثم قال: "يا رب إن ذنوبي عظيمة وإن قليل عفوك أعظم منها، اللهم فامح بقليل عفوك عظيم ذنوبي"، فبلغ ذلك الحسن فبكى وقال: "لو كان كلام يُكتب بالذهب لكُتب هذا الكلام". وقال مسهر الدمشقي: وضع سماط عبد الملك يوما بين يديه فقال لحاجبه: ائذَنْ لخالد بن عبد الله. فقال: مات يا أمير المؤمنين، قال: فلأبيه عبد الله بن خالد، قال: مات، قال: فلخالد بن يزيد، قال مات، قال: فلفلان وفلان -حتى عد أقواما قد ماتوا وهو يعلم ذلك قبلنا- فأمر برفع السماط وأنشأ يقول:
ذهبتْ لَذّاتي وانقضت أيامهم وغبرتُ بعدهم ولستُ بخالد
ولما احتضر سمع غسّالا يغسل الثياب فقال: ما هذا؟ فقالوا: غسّال، فقال: "يا ليتني كنت غسّالا أكسب ما أعيش به يوما بيوم ولم آلُ الخلافة". وقال أبو مسهر: قيل لعبد الملك في مرض موته: كيف تجدك؟ فقال: أجدني كما قال الله تعالى: (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم) (الأنعام: 94). وقال سعيد بن عبد العزيز: لما احتضر عبد الملك أمر بفتح الأبواب من قصره، فلما فتحت سمع قَصّارا بالوادي فقال: ما هذا؟ قالوا قصّار –صاحب مهنة تختص بالملابس– فقال: يا ليتني كنت قصّارا أعيش من عمل يدي، فلما بلغ سعيد بن المسيب قوله قال: الحمد لله الذي جعلهم عند الموت يفرون إلينا ولا نفر إليهم. ولما حضره الموت جعل يندم ويضرب بيده على رأسه ويقول: وددت أني اكتسبت قوتي يوما بيوم واشتغلت بعبادة ربي عز وجل وطاعته. ويُروى أنه قال: ارفعوني، فرفعوه حتى شم الهواء وقال: "يا دنيا ما أطيبك! إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لحقير، وإنا كنا بك لفي غرور"، ثم تمثل بهذين البيتين:
إنْ تُناقشْ يكن نقاشُكَ يا ربّ عذابا لا طوق لي بالعذاب
أو تجاوزْ فأنت ربٌ صفوحٌ عن مسيء ذنوبه كالتراب
فيا أيها المسكين المخدوع الخاسر؛ هل بعد كل ذلك تصر أن تحيا في الدنيا كي يقال لك "قبضاي" فتظلمني وتظلم الآخرين وتؤذيني وتؤذي الآخرين!! أما آن لك أن تتوب؟! أما آن لك أن تعلم أنك لو أتيت الله تعالى تائبا ومعك مثل قراب الأرض خطايا لغفر لك؟! فاكسر غرورك ودُسْ عليه وقل -وفيك الخير- "تبت إلى الله تعالى".

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 25 - 14 04/19/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 31 - 14 04/18/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 29 - 15 04/17/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 26 - 12 04/16/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 25 - 13 04/15/2018 - 10:00