ارحم نفسك وارحمنا (2)

أكتب إليك لأني أحبك وأحب لك الخير في الدنيا والآخرة. ولأنني على يقين أن إيماني سيبقى في خطر ما لم أحب لك كما أحب لنفسي، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنا: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ولذلك فأنا أحبك بأمر من الله تعالى وأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحبك حباً شكلياً من باب التصنع والإدعاء وضريبة الكلام، بل أحبك كما أحب نفسي وأحب لك كما أحب لنفسي، وقد تقول لي عن نفسك: وإن كنت عاصياً أو غافلاً أو مخدوعاً أو منحرفاً؟ وجوابي لك: بلا تردد: نعم أحبك وأحب لك كما أحب لنفسي وإن كنت كذلك!! وقد تقول لي عن نفسك: وإن كنتُ تاجر مخدرات، أو غارقاً في تعاطي المخدرات، أو كنتُ تاجر سلاح أو مبهوراً باستعمال السلاح؟! وجوابي لك بلا تردد: نعم أحبك وأحب لك كما أحب لنفسي وإن كنت كذلك!! ولكن حبي لك يجب أن يدفعني أن أصارحك صراحة الإنسان لنفسه وصراحة الأخ لأخيه وصراحة الأب لأبنه ولذلك أقول لك عبر هذه السطور وقد لا أكون التقيت بك مرة واحدة حتى الآن: هَبْ أنك تاجر سلاح!! وَهَبْ أنك تملك القدرة أن تبيع عشرات قطع السلاح كل أسبوع!! وَهَبْ أنك تملك القدرة أن تبيع كل أنواع قطع السلاح من المسدس الصغير حتى المدفع!! وَهَبْ أنك تمتلك القدرة أن توفر كل ما يطلب منك زبائنك المشترون من شتى أنواع قطع السلاح!! وَهَبْ أنك أصبحت عنواناً مشهوراً في سوق بيع السلاح وأخذ يتوافد عليك القاصي والداني من النقب والمثلث والجليل والكرمل والمدن الساحلية (عكا وحيفا ويافا واللد والرملة)!! وَهَبْ أنك بعت ثم بعت بلا توقف، وجمعت مالاً ثم جمعت مالاً بلا توقف، وزادت ثروتك ثم زادت بلا توقف، وبنيت قصوراً تلتوي عند رؤيتها الأعناق، وركبت سيارة شبح يسيل لها اللعاب، ولبست مفاخر الثياب، وأكلت أطايب الطعام، وشربت أعذب الشراب، وطفت الدنيا شرقاً وغرباً، ونزلت في أفخم الفنادق، ولكن ليتك تسمعني جيداً، وتصغي إليّ بضع دقائق، وتلقي سمعك لكلامي، فلربما سمعت مني ما لم تسمع من قبل، ولربما نصحتك مقابل من خدعوك، ولربما نبهتك مقابل من خدروك، ولربما أرشدتك إلى الربح الحق مقابل من أوهموك بالربح الباطل، لكل ذلك أقول لك محباً لك أولاً كما أحب لنفسي وناصحاً أميناً لك كما اجتهد أن أكون لنفسي: ألا تعلم أنك تبيع السلاح في أجواء فتن اجتماعية لا تزال تموج بكل فرد وبيت وحارة وقرية ومدينة في كل الداخل الفلسطيني بلا استثناء بداية من النقب ومروراً بالمثلث والجليل والكرمل والمدن الساحلية (عكا وحيفا ويافا واللد والرملة)؟! ألا تعلم أن بيع السلاح بداية من المسدس ووصولاً على المدفع هو حرام في أجواء الفتن الاجتماعية؟! ألا تعلم أنك بذلك تربح حراماً وتجمع حراماً وتأكل حراماً وتشرب حراماً وتلبس حراماً وإن غذيت أباك وأمك فإنما تغذيهم حراماً؟! ألا تعلم أنك بتجارة السلاح تتعاون من حيث تقصد أو لا تقصد مع بعض الجهات المشبوهة التي تسعى إلى تحويل مجتمعنا في الداخل الفلسطيني إلى قنبلة موقوتة كي تنفجر على نفسها؟! ألا تعلم انك بتجارة السلاح تتعاون من حيث تعلم أو لا تعلم مع الجهات المشبوهة التي تسعى إلى تفكيك مجتمعنا أو تعميق القطيعة بين أبنائه كي يسهل ترحيلنا؟! ثم ألا تعلم أنك تتحمل عند الله تعالى إثم كل ضرر يصدر من كل قطعة سلاح بعتها حتى الآن أو ستبيعها في المستقبل؟! ألا تعلم أن كل قطعة سلاح بعتها فتسببت بإلحاق أذى في دماء أهلنا أو في أموالهم أو في أعراضهم فأنت المتسبب بذلك وإثمك عند الله تعالى كإثم الفاعل الذي اشترى منك السلاح ثم أصاب أهلنا في دمائهم أو أموالهم أو أعراضهم؟! ألا تعلم أن أية قطعة سلاح بعتها فتسببت بإزهاق روح واحد من أهلنا فأنت المتسبب بذلك وإثمك عند الله تعالى كإثم القاتل الذي اشترى منك السلاح ثم قتل واحداً من أهلنا؟! فتوهم نفسك أيها المسكين المخدوع الخاسر وقد وقفت بين يدي الله تعالى يوم القيامة وقد كنت في الدنيا قد بعت مائة قطعة سلاح في أجواء الفتن الاجتماعية فكيف ستقدر على حمل آثام كل هذه الأسلحة؟! وكيف ستلقى الله تعالى بكل هذا الحجم من الآثام التي قد تكون كالجبال؟! وماذا سينفعك عندها خزائن الذهب والفضة والشيكل والدينار والدولار واليورو؟! أيها المسكين المخدوع الخاسر هلاّ اعتبرت ممن سبقوك، فكانوا أطول منك عمراً، واشد منك بأساً، وأكثر منك ذهباً وفضة ومالاً، هل تعلم أين هم الآن؟! اسأل نفسك أين هم الآن؟! هل تعلم ماذا حل بقصورهم وثروتهم وزينتهم؟! أسأل نفسك ماذا حل بها؟! هل تعلم ماذا قالوا عند سكرات الموت التي كما ذاقوها سأذوقها أنا وستذوقها أنت؟! أسأل نفسك ماذا قالوا؟! أيها المسكين المخدوع الخاسر تدبر هذه المشاهد التي سأرويها لك الآن قبل أن تعيشها عما قريب فتندم يوم لا ينفع ندم وقد تلومني عندها أو تلوم غيري لوماً لن يزيد حسرتك إلا حسرة:

1. هذا أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش مائة سنة غير ستة إلا أنه بعد هذا العمر الطويل مات، ويوم أن مات قال قتادة: لما مات انس قال مؤرق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم، قيل له: وكيف ذلك يا أبا المعتمر؟! قال: كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفونا في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا لهم: تعالوا إلى من سمعه منه، أي أنس بن مالك رضي الله عنه ومع أن أنس بن مالك كان يحمل كل هذه الخصال أيها المسكين المخدوع الخاسر إلا أنه لما قيل له في مرضه: ألا ندعو لك طبيباً؟ فقال: الطبيب أمرضني، وجعل يقول: لقنوني لا إله إلا الله وهو محتضر، فلم يزل يقولها حتى قبض، وكانت عنده عُصيّة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بها فدفنت معه!! فأجبني أيها المسكين المخدوع الخاسر كيف ستنجح أن تقول لا إله إلا الله عند احتضارك وقد ألجمت كل آثام بيعك السلاح في أجواء الفتن الاجتماعية فمك ولسانك إلا أن تتوب إلى الله تعالى فتهجر بيع السلاح في مثل هذه الأجواء .

2. هذا علي بن الحسين الذي حمل لقب (زين العابدين) لما مات فغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سواد في ظهره، فقالوا: ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جُرُب الدقيق (جمع جراب وهو الكيس الذي يُعبأ فيه الدقيق) ليلاً على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة، وقال ابن عائشة: سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي ابن الحسن!! يا الله يا الله أتعلم ماذا يعني ذلك أيها المسكين المخدوع الخاسر؟! إن لكل عامل في الدنيا آثاراً لعمله وقد تظهر عند الموت؟! فقد تكون شهادة شرف أو شهادة عار!! وقد تكون شهادة سعادة أو شقاوة!! وقد تكون شهادة رضا من الله تعالى أو غضب!! ويحك ثم ويحك أية شهادة تطمع لنفسك؟! هل يعجبك أن ينكشف على الخلق عند سكرات موتك شهادة خزي وذل وهوان تكشف لهم أنك كنت تاجر سلاح في أجواء الفتن الاجتماعية؟! أنا لا أرضى لك ذلك لأني لا أرضى ذلك لنفسي، وأنا على يقين أن الخير المدفون فيك لا يرضى لك ذلك فماذا تنتظر ويحك؟! اقرع باب التوبة قبل أن يقرع ملك الموت بابك.

3. هذا الحجاج وما أدراك ما الحجاج؟! كان كثير قتل النفوس التي حرمها الله بأدنى شبهة، وكان يغضب غضب الملوك، وكان قد أقام بين أهل العراق عشرين سنة كاملة، وفتح فيهم فتوحات كثيرة، حتى وصلت خيوله إلى بلاد الهند والسند، ووصلت إلى قريب من بلاد الصين ومع كل ذلك فقد مات، ولكن كيف مات؟! ليتك تعلم أيها المسكين المخدوع الخاسر!! عن أحمد بن عبد الله التميمي قال: لما مات الحجاج لم يعلم أحد بموته حتى أشرفت جارية فبكت فقالت: ألا إن مطعم الطعام، وميتم الأيتام، ومرمل النساء، ومفلق الهام، وسيد أهل الشام قد مات، ثم أنشأت تقول:
اليوم يرحمنا من كان يبغضنا واليوم يأمننا من كان يخشانا
وعن الأصمعي قال: لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول:
يا ربُ قد حلف الأعداء واجتهدوا بأنني رجل من ساكني النار
أيحلفون على عمياء ويحهمُ ما علمهم بعظيم العفو غفار
إن الموالي إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرارِ
وأنت يا خالقي أولى بذا كرم قد شبت في الرق فاعتقني من النار
قال الأصمعي: فأخبر بذلك الحسن فقال: بالله إن نجا لينجون بها وكان عمره يوم أن مات خمساً وخمسين سنة، ومات بواسط فعفي قبره وأجري عليه الماء لكيلا ينبش ويحرق والله أعلم، وروى غير واحد أن الحسن لما بُشر بموت الحجاج سجد شكراً لله تعالى، وقال حماد بن أبي سليمان: لما أخبرت إبراهيم النخعي بموت الحجاج بكى من الفرح، ولما أخبر أهل السجن بموت الحجاج لم يناموا فرحاً!! وعن أشعث الخراز قال: رأيت الحجاج في المنام في حالة سيئة فقلت: يا أبا محمد ما صنع بك ربك؟ قال: ما قتلت أحداً قتلة إلا قتلني بها، ثم أمر بي إلى النار!! قلت: ثم مه؟! قال: ثم أرجو ما يرجو أهل لا إله إلا الله، ثم بعد موت الحجاج قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: ما حسدت الحجاج عدو الله على شيء حسدي إياه على حبه القرآن وإعطائه أهله عليه، وقوله حين حضرته الوفاة: اللهم اغفر لي فإن الناس يزعمون انك لا تفعل!! فيا أيها المسكين المخدوع الخاسر هل تريد أن يتمنى الناس موتك كما تمنوا موت الحجاج ويحك؟! أم هل تريد أن يفرح الناس بموتك كما فرحوا لموت الحجاج ويحك؟! أم هل تريد أن يقال عنك بعد موتك (عدو الله) كما قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عن الحجاج بعد موته ويحك؟! أين عقلك أين فهمك؟! أين سمعك؟! أين بصرك؟! هل تريد أن تقول بعد موتك كما قال الحجاج بعد موته: (ما قتلت أحداً قتلة إلا قتلني الله بها ثم أمر بي إلى النار) حيث قال ذلك لمن رآه في منام، ويحك؟! لا تقف مبهوتاً حائراً تسأل: ماذا أفعل؟! تب إلى الله تعالى وفي ذلك شفاؤك .

4. هذا الوليد بن عبد الملك ولي الخلافة وكان كما حدث عنه علي بن محمد المدائني عند أهل الشام أفضل خلفائهم، حيث بنى المساجد بدمشق ووضع المنائر وأعطى الناس وأعطى المجذومين، وأعطى كل مقعد خادماً، وكل ضرير قائداً، وفتح في ولايته فتوحات كثيرة عظاماً، وكان يرسل بنيه في كل غزوة إلى بلاد الروم ففتح الهند والسند والأندلس حتى دخلت جيوشه على الصين، وكان يبر حملة القرآن ويقضي عنهم ديونهم، ومع ذلك مات!! لما مات صلي عليه عمر بن عبد العزيز وانزله إلى قبره وقال حين انزله: (لننزلنه غير موسد ولا ممهد، قد خلفت الأسلاب وفارقت الأحباب وسكنت التراب وواجهت الحساب، فقيراً إلى ما قدمت، غنياً عما أخرت) ولما وضع الوليد في لحده ارتكض في أكفانه أي اضطرب وجمعت رجلاه إلى عنقه!! فيا أيها المسكين المخدوع الخاسر توهم نفسك وأنت في قبرك تضطرب في كفنك هل سينفعك مسدس أو رشاش أو مدفع ممن بعتها في أجواء الفتن الاجتماعية؟! ويحك اعزم واجزم وانتبه يا غافل، وتب إلى الله تعالى وبذلك ترحم نفسك وترحمنا .

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 31 - 22 07/22/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 31 - 22 07/21/2017 - 10:00
لا تصدقوا ما ينشره الإحتلال حتى لو صدق فهو لا ينشر لمجرد النشر او اطلاع الجمهور إنما وراءه هدف وغاية وغاية الاحتلال كلها شر لنا 07/20/2017 - 23:40
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 30 - 22 07/20/2017 - 10:00
بلدية ام الفحم: نرفض هذا العبث بالمسجد والذي من شأنه زيادة التوتر والتصعيد https://t.co/V02jzuyGoM 07/19/2017 - 15:04