"استعن على غين القلوب بذكر الأولياء والصالحين"

عن عطاء بن يسار: قال موسى عليه السلام: يا رب من أهلـُك الذين هم أهلـُك، الذين تظلهم في عرشك? قال: "هم البريئة أيديهم، الطاهرة قلوبهم، الذين يتحابون بجلالي، الذين إذا ذُكرت ذُكروا وإذا ذُكروا ذُكرت ، الذين يسبغون الوضوء في المكاره، ينيبون إلى ذكري كما تنيب النسور إلى وكورها، ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس ويغضبون لمحارمي إذا استحلت كما يغضب النمر إذا حرب. "

وعن وهب بن منبّه قال: قال الحواريون: يا عيسى, من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون? فقال عيسى عليه السلام: الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، والذين نظروا إلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم، وتركوا ما علموا أن سيتركهم، فصار استكثارهم منها استقلالا، وذكرهم إياها فواتا، وفرحهم بما أصابوا منها حزنا ,فما عارضهم من نائلها رفضوه، أو من رفعتها بغير الحق وضعوه. خَلِقت الدنيا عندهم فليسوا يجددونها، وخربت بينهم فليسوا يعمرونها، وماتت في صدروهم فليسوا يحيونها، يهدمونها فيبنون بها آخرتهم، ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم، رفضوها وكانوا برفضها فرحين، وباعوها وكانوا في ببيعها رابحين، نظروا إلى أهلها صرعى قد حلت بهم المثلات فأحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة، يحبون الله ويحبون ذكره ويستضيئون بنوره ,لهم خبر عجيب وعندهم الخبر العجيب. بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وبهم علم الكتاب وبه علموا، فليسوا يرون نائلا مع ما نالوا، ولا أمانا دون ما يرجون، ولا خوفا دون ما يحذرون. " رواه الإمام أحمد .

لذا فقد اعتبر أهل العلم حبّ الأولياء والصالحين وسيلة من وسائل إصلاح القلوب لقربهم من الحضرة الإلهية ,فمنهم تـُنال البركة وبهم ترجى الشفاعة . فعن ابن عيينة قال: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة . وقال محمد بن يونس: "ما رأيت للقلب أنفع من ذكر الصالحين" .

وقال الإمام الشاذلي رحمه الله تعالى : " حب الأولياء ولاية " .

ولله در الشيخ العارف بالله سيدي أبي العباس المرسي إذ يقول:
لي سادة من عزهم * أقدامهم فوق الجباه
إن لم أكن منهم فلي * بحبهم عز وجــاه

وقال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية (613 ) " ما تعبّد متعبّد بأكثر من التحبّب إلى أولياء الله تعالى " .

وكما أنّ حبّ الصالحين نعمة وولاية وعبادة ، فإنّ إيذاءهم والنيل من قدرهم ومقامهم نقمة وسخط وحجاب وحرمان في الدنيا والآخرة ، ففي الحديث القدسي : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ:مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ,وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ, وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ, فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ " .

لذا فاحرص أخي الكريم وأختي الكريمة على مجالسة الصالحين والتقرب منهم ,ففي مجالستهم تتنزل رحمة الله تعالى وتنشر نفحاته ، فلعلّ نفحة من نفحات الله تعالى تصيبك بمجالستهم لا تشقى بعدها أبدا ، واحرص على حفظ الأدب والتواضع في مجالستهم ، لأنّك إن جلست بنية الاستهزاء والاستعلاء فلن تنتفع بمجالستهم ,بل قد يكون ذلك سببا في حجابك عن الله سبحانه وتعالى . فعن وهب بن منبه قال: لمّا بعث الله موسى وأخاه هارون إلى فرعون قال ": لا تعجبنكما زينته ولا ما متّع به، ولا تمدا إلى ذلك أعينكما فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين، ولو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة، ليعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما، لفعلت، ولكني أرغب بكما عن ذلك وأزويه عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي. وقديما خرت لهم فإني لأذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة. وإني لأجنبهم سلوتها وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك العرة وما ذاك لهوانهم علي، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا لم تكلُمْه الدنيا، ولم يـُطْغِهِ الهوى, واعلم أنه لم يتزين العباد بزينة أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا، فإنها زينة المتقين، عليهم منها لباس يـُعرفون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، أولئك هم أوليائي حقا حقا فإذا لقيتهم فأخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك, واعلم أنه من أهان لي وليا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وباراني، وعرض لي نفسه ودعاني إليها ,وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي? أوَيظن الذي يعاديني أن يعجزني? أويظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني? وكيف، وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة، لا أكِلُ نصرتهم إلى غيري؟

كما واحرص على قراءة سيرهم وأحوالهم وقصصهم لترفع همتك ، فإنّ النفس تتأثر بالأحوال أكثر من تأثرها بالأقوال ، لذا أنصح لك بقراءة كتاب : " صفوة الصفوة " لابن الجوزي رحمه الله تعالى ، وحبذا لو أدرجت ذلك بوردك اليومي ، وقرأته بمعية أهلك وأولادك ، عسى أن ينفعك الله وأهلك بذكرهم وحبهم ومجالستهم من خلال قراءة سيرهم ، فإنّ الله تعالى قد خلّد ذكر الكلب في القرآن الكريم في سورة الكهف ، لمصاحبة زمرة من أوليائه ، فرفعه الله بهم ، فقال جلّ شأنه : "سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ "" .

وقال تعالى : " وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا " .

كما واحرص على قراءة شيء من القرآن لأرواحهم الطاهرة فإنّهم ينتفعون بذلك ، لأنّ القربات ومنها قراءة القرآن تصل إلى الميّت عند جمهور أهل العلم ، نفعني الله وإيّاك بمحبة الأولياء والصالحين ، فإنّ عزائي لنفسي هو حبّي لهم وإن لم أكن منهم ,عسى الله أن يرزقني وأهلي بهم شفاعة ، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى :

أحبّ الصالحين ولست منهم لعلّ الله يرزقني بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي وإن كنّا سويّاً في البضاعة

أسأل الله تعالى لي ولك صدق محبتهم ، فمن أحبّ قوماً حشر معهم .ونسأله تعالى أن يحقق لنا الدخول في أعدادهم في الدنيا والآخرة . ( آمين ) .
فقد ورد في الصحيح أنّ بعض الصحابة سأل الرسول يا رسول الله :"المرء يحب القوم ولما يلحق بهم قال عليه الصلاة والسلام:{المرء مع من أحب}.متفق عليه .

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 28 - 19 06/18/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 29 - 20 06/17/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 38 - 23 06/16/2018 - 10:00
كل عام وانتم بخير أعاده الله علينا وعليكم بالخير واليمن والبركات وجعلنا بلدنا آمنة مطمئنة 06/15/2018 - 15:31
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 30 - 19 06/15/2018 - 10:00