أوراق في الطريق إلى الله "صفاء الأرواح بزيارة قبور الصالحين"

الشيخ الدكتور مشهور فوازتُعدّ زيارة القبور من الأمور التي أقرتها الشريعة بما تحويه من نفع يعود على أصحاب القبور، وللأجر الذي يحظى به الزائر للقبور، ولما تؤثر في نفس الإنسان وتزرع فيه من المعاني الخلقية الرفيعة، فزيارة القبور من الأمور التي تذكر الإنسان بالموت، وأن الدنيا لا محالة زائلة فيزهد فيها الإنسان ويأخذ العبرة من كثرة القبور، وكم من ميت منهم كان ناسيًا للموت فأدركه الأجل على حين غرة، فيشحذ بذلك همته للسعي في ما يرضي الله والتزود من دنياه لآخرته.
ورد في الأثر أن أمير المؤمنين رضي الله عنه لما مر على المقابر قال عليه السلام:
"السلام عليكم يا أهل القبور، أنتم لنا سلف، ونحن لكم خلف، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أما المساكن فسُكنت، وأما الأزواج فنُكحت، وأما الأموال فقُسمت، هذا خبر ما عندنا، فليت شعري ما خبر ما عندكم؟".
ثم قال عليه السلام: "أما إنهم إن نطقوا لقالوا: وجدنا التقوى خير زاد".
وقد تضافرت النصوص الشرعية التي تحث على زيارة القبور بشكل عام، وقبور الصالحين بشكل خاص، فإن زيارة الصالحين من المؤمنين تعطي الإنسان العزيمة على السير على ما ساروا عليه في درب الصلاح والتقوى.

حيث ثبت في السنة النبوية قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" (رواه مسلم (7\46)). وفي رواية: "فزوروها فإنها تذكر الآخرة" (رواه الترمذي (4\159))، وفي رواية: "كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة" (رواه البن ماجة ( 1 \ 501 )). وفي رواية: "وترق القلب وتدمع العين فلا تقولوا هجرا" (رواه الحاكم). وفي رواية: "فزوروا القبور فإنها تذكر بالموت" ( رواه أبو داود 3235 ).

وروى ابن قدامة في "المغني" أن الإمام أحمد سئل عن زيارة القبور وهل تركها أفضل أو زيارتها؟ فقال: زيارتها أفضل (المغني، ج2\565).
وقال النووي أيضا في "المجموع": "اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنه يستحب للرجال زيارة القبور، وهو قول العلماء كافة" (المجموع، ج5، ص281).

وقال الإمام الرواس رضي الله عنه: بويعت على زيارة القبور والدعاء لأموات المسلمين والدعاء عند مقابرهم، فإن الدعاء عند مقابر المسلمين مستجاب لأنها محل الرحمات (يقصد بذلك قبور الصالحين نفعنا الله بمحبتهم) [انظر: بوارق الحقائق، ص26، نقلا عن الموسوعة اليوسفية، يوسف خطار).
يقول الدكتور محمد سعيد البوطي عن والده: اتجه والدي قاصدا إلى جبلة لزيارة إبراهيم بن أدهم، رحمه الله، وبعض الصالحين من الأحياء فيها، وذهب إلى الرقة متجشما بعض الصعوبات لزيارة أويس القرني فيها، وكان ذلك في شهر شباط (1972) وكان أبي يقول: كما تتنزل الرحمات عند ذكر الصالحين فإنها تتنزل في أماكن وجودهم، سواء كانوا في الأحياء أو الأموات. وزار القدس ومسجد الخليل وزار سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني والجنيد البغدادي والإمام أبا حنيفة وبعض من يمكن أن يراهم من الصالحين الأحياء، وكان يحرص على زيارة قبر الإمام النووي رحمه الله في قرية نوى جنوبي دمشق كلما أتيح له ذلك، وكان عمل أبي في زيارة هؤلاء الموتى يتلخص في السلام عليهم بأدب تام كما لو كانوا في الحياة، وربما تلا بعد ذلك شيئا من القرآن، ثم إنه يدعو ما شاء الله أن يدعو لنفسه وللمسلمين ("هذا والدي"، ص 28).

وذكر الحافظ المحدث شيخ القراء شمس الدين بن الجزري في كتابه الحصن الحصين أن من مواضع إجابة الدعاء قبور الصالحين.
جاء في عدة الحصن الحصين: "وجرّب استجابة الدعاء عند قبور الصالحين"، وقد وافقه على ذلك الشوكاني في تحفة الذاكرين في شرح عدّة الحصن الحصين بشرط ألاّ ينشأ عن ذلك مفسدة، وهي أن يعتقد في ذلك الميّت ما لا يجوز اعتقاده كالنفع والضر... [انظر: تحفة الذاكرين بعدّة الحصن الحصين من كلام سيّد المرسلين شرح الإمام محمّد بن علي بن محمّد الشوكاني اليماني الصنعاني، ص55، مكتبة التراث، 22 شارع الجمهورية، القاهرة. وانظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي، 9/343، 10، ص 107. وذكر ذلك ابن الجوزي في "صفوة الصفوة"، ص251، وانظر شذرات الذهب في أخبار من ذهب (1/360)، وتاريخ بغداد، للحافظ الخطيب البغدادي (1/134–135)].
وقال الإمام الشهير العمدة أحمد بن محمد البرلسي الفاسي المعروف بالشيخ "زروق"، في شرحه على الرسالة 1/288-289 ما نصه: "وقد جربت الإجابة عند قبور كثير من أهل الخير".
وللإمام العلامة ابن الحاج المالكي محيي السنة وقامع البدعة كلام مسهب في استجابة الدعاء وطهارة النفوس بزيارة الأنبياء والصحابة والصالحين، لا يسع المقام لذكره (فليراجع في "المدخل" لابن الحاج الحنبلي، 1/256 ط: دار التراث).
فإن دلّ ذلك على شيء فإنّما يدلّ على طهارة البقعة التي دفن فيها الأنبياء والصالحون، وأنّها مهبط الرحمات ونزول البركات، فبزيارتهم تطهر النفوس، وتصفو الأرواح، ولكن لا بدّ من الأخذ بالاعتبار الشروط التالية في زيارة الصّالحين نفعني الله وإيّاك بمحبتهم:
1– عدم رفع الأصوات بالدعاء لديهم وعدم الاستغاثة الشركية بهم، وذلك بأن يعتقد بهم النفع والضر، وإنّما يقصد الله وحده في الدعاء.
2- عدم التمسح بالقبر أو إلصاق الظهر أو البطن بجداره.

قال ابن قدامة: "ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا تقبيله"، قال أحمد: "ما أعرف هذا"، قال الأثرم: "رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم، يقومون من ناحية فيسلمون"، قال أبو عبد الله: "وهكذا كان ابن عمر يفعل". [انظر: المغني، لابن قدامة، 3/559].

وقال النووي محذرا: "ولا يجوز أن يطاف بقبره صلّى الله عليه وسلّم، ويكره مسحه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضره في حياته صلّى الله عليه وسلّم، هذا هو الصواب الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه، ولا يغتر بمخالفة كثيرين من العوام وفعلهم ذلك، فإنّ الاقتداء والعمل إنّما يكون بالأحاديث الصحيحة وأقوال العلماء ولا يلتفت إلى محدثات العوام وغيرهم وجهالاتهم" [انظر: المجموع، 8/217].

فاجعل في وردك نصيبا لزيارة المقابر عموما للاتعاظ بتذكر الموت والبلى، واحرص على زيارة الصّالحين منهم لتنال بزيارتهم البركة والوصل من الله، نفعني الله وإيّاك بحبّهم، فإنّه كما قيل من أحبّ ليلى أكْرَمَ مَنْ سَكَنَ بجوارها، فإنّني وإن لم أكُ من أولئك القوم الطاهرين إلا أن عزائي لنفسي يوم ألقى ربي أنّي أحبّ أولياءه وأتقرب إليه بمحبتهم، رزقني الله وإياك صدق محبتهم. (آمين آمين)

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 31 - 21 10/23/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 31 - 21 10/22/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 26 - 17 10/21/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 26 - 18 10/20/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 27 - 19 10/19/2018 - 10:00