أرحم نفسك وارحمنا (5)

لأنني ملزم أن أحب لك ما أحب لنفسي بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول لنا: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، ولتكن معصيتك ما تكون، وليكن ذنبك ما يكون، ولتكن خطيئتك ما تكون، ولتكن كبيرتك ما تكون، ولتكن فاحشتك ما تكون، فسأبقى معك في هذا الرباط الذي حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف، وسأبقى لك على ضوء هذا الحديث الشريف ناصحا أمينا، وما أرجوه منك وأتمناه عليك أن تتحمل مرارة نصيحتي، لأنني بقدر ما أحب لنفسي أحب لك، وبقدر ما أحب لك أجتهد أن أكون صادقا معك في النصيحة، وبقدر صدقي معك تجد مني مرارة النصح، حرصا عليك وحرصا على زوجك وأولادك وبناتك وطمعا في أن تحقق لهم خير الدين والدنيا والآخرة في حياتك وبعد مماتك. ولذلك أواصل حديثي معك كما بدأت خلال الحلقات السابقة وأقول لك: لنفترض أن هوى نفسك ووسواس شيطانك وخداع دنياك قد دفعك أن تكون صاحب شركة قروض خاصة، ورحت تقرض فلانا ألف دينار ثم تستردها بعد حين بمقدار ألف ومائتي دينار!! فهل تعلم أن هذا ربا وأن الربا حرام؟!

لعلك رحت تشتري من فلان سندا ماليا – وهو ما اشتهر على الألسن اليوم باسم الشيك – فدفعت لصاحب هذا السند المالي مبلغ سبعمائة دينار، رغم أن مقدار هذا السند المالي هو ألف دينار وبذلك ابتززت منه مبلغا مقداره ثلاثمائة دينار، وظننت نفسك انك عقدت صفقة مربحة!! فهل تعلم أن هذا ربا وأن الربا حرام؟!

أو لعلك تحسست أوضاع بعض التجار فعرفت بناء على ذلك أن التاجر فلانا على وشك الإفلاس فزينـْتَ له أن تقرضه مبلغا ماليا لا يساوي ربع أملاك هذا التاجر المسكين، ثم اشترطت عليه أن تكون شريكا بنسبة نصف أملاكه، وفرضت عليه أن يعطيك كل شهر نصف أرباحه إلى أبد الدهر وإلا...!! فهل تعلم أن هذا ربا والربا حرام؟!

أيها المسكين المخدوع الخاسر؛ لا زلت أقول لك إنني ملزم أن أحب لك ما أحب لنفسي بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا زلت أطمع منك أن تتحمل صراحتي لك في النصيحة!! هل تدري لماذا؟! لأنك إذا مشيت في هذا الطريق وفجأة أصبحت بين يديك قائمة طويلة بأسماء المخدوعين، الذين أقرضتهم ولم يلتزموا بتسديد المبلغ المالي الذي اشترطته عليهم، والذي هو حرام؛ أو فجأة أصبحت بين يديك مئات أو آلاف السندات المالية – أي الشيكات – التي صادرتها من أصحابها ثم رحت تبحث عن المصدر الأول لكل سند مالي منها، وفجأة تبين لك أن هناك المئات الذين هم المصدر الأول لكل هذه السندات المالية لا يستطيعون دفع قيمة سنداتهم المالية لك، حيث أصبحت صاحبها بأسلوب الربا وهو حرام، ثم رحت تفكر كيف تحصل على هذه الأموال الطائلة التي في أيدي هؤلاء العاجزين، فماذا قد تكون النتيجة أيها المسكين المخدوع الخاسر؟! قد تدفعك نفسك الأمارة بالسوء، أو قد يدفعك أصدقاء السوء إلى استخدام لغة التهديد والوعيد مع هؤلاء العاجزين!! وقد تجد نفسك تقول للواحد منهم: (معك فرصة أسبوع حتى تدفع قيمة السند المالي وإلا...)!! وقد تجد نفسك وقد استبحت أن تشهر السلاح على أحدهم أو أن تطلق الرصاص على بيته إنذارا، أو أن تحرق سيارته!! وهكذا يجر الحرام إلى حرام أشد، وتجرك المعصية إلى معصية أسوأ، ويجرك الذنب إلى ذنب أكبر. فواحسرتاه عليك إن لم تتدارك حالك قبل أن تسقط في هاوية من الحرام والمعاصي والذنوب لا يكون مصيرها إلا في نار جهنم، إلا أن تتوب إلى الله تعالى!! ولنفرض أنك استغللت تاجرا كان على وشك الإفلاس فدفعت له مبلغا ماليا لا يساوي ربع تجارته، ثم أصبحت بواسطة هذا الابتزاز الحرام شريكه في تجارته؛ لك ما له من رأسمال وأرباح، ثم تراكمت عليه الديون مرة أخرى، فماذا قد تكون النتيجة أيها المسكين المخدوع الخاسر؟! قد تضحك عليك نفسك للمرة المليون وواحد، بعد أن ضحكت عليك قبل ذلك مليون مرة، وقد تنفخ فيك غضب الشر من حيث لا تدري، وقد تصور لك أنك شريك يملك نصف رأسمال هذا التاجر المتعثر، وقد تدفعك أن ترغمه بالإكراه أن يعطيك نصف الربح صافيا، حتى لو كانت تجارته في خسارة، وقد تـُقسّي هذه النفس الخبيثة قلبك عليه، فلا ترحم له عجزا، ولا ترحم له دمعا، ولا ترحم له بيتا، ولا ترحم له زوجة، ولا ترحم له ابنا، ولا ترحم له بنتا، ولا ترحم له مرضا، ولا ترحم له وجعا. وقد تجرك هذه النفس الخبيثة أن تمد يدك عليه بالأذى والإيذاء والضرر. ومن يدري؟ لعل هذه النفس الخبيثة توهمك أنك شريك فلا بأس أن تضع يدك على سيارته بالتهديد، وأن تصادرها. أو أن تضع يدك على أرضه بالعربدة وأن تستولي عليها.أو أن تضع يدك على تجارته بالخاوة وأن تبيعها بأبخس الأثمان!!

ولكن ثم ماذا أيها المسكين المخدوع الخاسر؟! لنفترض أنك تجرأت على كل هذه القبائح من الأعمال؛ أعود وأقول لك: ثم ماذا؟! لقد استبحت الربا وهو حرام. ثم ماذا؟! لقد تضخمت حساباتك المالية في البنوك وهي حرام. ثم ماذا؟! لقد جمعت من السندات المالية – أي الشيكات- الآلاف ورحت تزعج فلانا وتؤذي فلانا وتهدد فلانا!! ثم ماذا؟! لقد خدعت الكثيرين من التجار وأصبحت شريكا لكل واحد منهم في أرباحه بالابتزاز!! ثم ماذا؟!

ويحك هل تدري ماذا بعد "ثم ماذا"؟! ويحك إنه مرض الموت الذي سيدب فيك!! ثم إنها سكرات الموت التي سيذوق كل مفصل من جسدك طعمها!!ثم إنها لحظات خروج الروح وما أدراك ما هي!! ثم إنه الموت وما أدراك ما الموت!! ثم إنه نزول القبر وفتنة القبر الذي لو أصغيت إليه الآن بقلبك لسمعته يقول لي ولك: أنا بيت الدود... أنا بيت الوحشة.. أنا بيت الغفلة.... أنا بيت الظلمة... أنا بيت العذاب.. هذا ما أعددت لك فماذا أعددت لي؟!
ويحك لا تنزعج من كلامي وتهرب منه، لأنك ستصطدم به عما قريب!!

ويحك لا تهرب إلى أصدقاء السوء الذين تسمع منهم كلاما غير كلامي، ولكنه الغش والخداع والتزوير!!

ويحك كلامي قد يوجعك، ولكنه سينفعك، وكلام أصدقاء السوء قد يضحكك ولكنه سيدفعك إلى الهاوية إلا أن تتوب إلى الله تعالى. ومرة بعد مرة أعود وأقول لك إنني ملزم أن أحب لك ما أحب لنفسي بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاسمع مني هذه الملاحظات وكلي رجاء وأمل وطمع أن تفكر فيها جيدا:

1. هل تعلم أن الله تعالى يقول في القرآن الكريم: (إن الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) الآية 275 من سورة البقرة.
2. هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (..لما عُرج بي سمعت من السماء السابعة فوق رأسي رعدا وصواعق ورأيت رجالا بطونهم بين أيديهم كالبيوت فيها حيات وعقارب تـُرى من ظاهر بطونهم، فقلت: مَنْ هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا) أخرجه ابن ماجة، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف.

3. هل تعلم أن عبد اله بن مسعود رضي الله عنه يقول: (إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله بهلاكها). أخرجه الحاكم وهو صحيح الإسناد
4. هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما ظهر في قوم الربا إلا ظهر فيهم الجنون ولا ظهر في قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت وما أبخس قوم الكيل والوزن إلا منعهم الله القطر)- قال شيخنا الألباني حديث حسن.

5. هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أربعة حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها؛ مدمن الخمر وآكل الربا وآكل مال اليتيم بغير حق والعاق لوالديه إلا أن يتوبوا) أخرجه الحاكم وهو صحيح الإسناد.

6. هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الربا سبعون بابا أهونها مثل أن ينكح الرجل أمه..) – رجاله رجال الصحيح.

7. هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ست وثلاثين زنية) أخرجه أحمد في مسنده وهو صحيح.
ويحك أيها المسكين المخدوع الخاسر!إلى متى ستبقى غارقا في غفلتك وهذه النداءات القرآنية والنبوية تدعوك إلى التوبة العاجلة مما أنت فيه!! فمرحبا بك تائبا، وقد تكون خير التائبين. ومرحبا بك متطهرا من الحرام، وقد تكون خير المتطهرين. ومرحبا مهاجرا إلى الله تعالى، وقد تكون خير المهاجرين، وإلا خدعتك نفسك وقالت لك: أنت قوي. فقل لها: أيتها المجنونة أنا لا شيء!! ثم حدثها هذه القصة:

(ومما حكي قال بعضهم: رأيت رجلا مقطوع اليد من الكتف وهو ينادي: من رآني فلا يظلمن أحدا. فقدمت إليه فقلت له: يا أخي ما قصتك؟ قال: يا أخي قصة عجيبة. وذلك أني كنت من أعوان الظلمة فرأيت يوما صيادا قد اصطاد سمكة كبيرة فأعجبتني، فجئت إليه فقلت: أعطني هذه السمكة. فقال: لا أعطيكها، أنا آخذ ثمنها قوتا لعيالي. فضربته وأخذتها منه قهرا ومضيت بها.فبينا أنا أمشي بها إذ عضت على إبهامي عضة قوية، فلما جئت بها إلى بيتي وألقيتها من يدي ضربت على إبهامي وآلمتني ألما شديدا، حتى لم أنم من شدة الوجع والألم، وورمت يدي. فلما أصبحت أتيت الطبيب وشكوت إليه الألم. فقال: هذه الأكـَلـَة..اقطعْها وإلا تـُقطع يداك. فقطعت إبهامي، ثم ضربت على يدي فلم أطق النوم ولا القرار من شدة الألم، فقيل لي: اقطع كفك. فقطعته وانتشر الألم إلى الساعد وآلمني ألما شديدا ولم أطق القرار. وجعلت أستغيث من شدة الألم. فقيل لي اقطعها إلى المرفق، فقطعتها فانتشر إلى العضد وضربت على عضدي أشد من الألم الأول.فقيل لي: اقطع يدك من كتفك، وإلا سرى إلى جسدك كله. فقطعتها.فقال لي بعض الناس: ما سبب ألمك؟ فذكرت قصة السمكة.فقال لي: لو رجعت في أول ما أصابك الألم إلى صاحب السمكة واستحللت منه وأرضيته لما قطعت من أعضائك عضوا، فاذهب الآن إليه واطلب رضاه قبل أن يصل الألم إلى بدنك.قال: فلم أزل أطلبه في البلد حتى وجدته، فوقعت على رجليه أقبلها وأبكي، وقلت له: يا سيدي، سألتك بالله إلا ما عفوت عني. فقال لي: ومن أنت؟ قلت: أنا الذي أخذت منك السمكة غصبا..وذكرت ما جرى وأريته يدي. فبكى حين رآها ثم قال: يا أخي قد أحللتك منها لما قد رأيته بك من هذا البلاء. فقلت: يا سيدي بالله عليك، هل كنت قد دعوت علي لما أخذتها؟قال: نعم، قلت: اللهم إن هذا تقوّى علي بقوته على ضعفي على ما رزقتني، ظلما، فأرني قدرتك فيه. فقلت: يا سيدي قد أراك الله قدرته فيّ وأنا تائب إلى الله عز وجل عما كنت عليه من خدمة الظلمة، ولا عدت أقف لهم على باب ولا أكون من أعوانهم ما دمت حيا إن شاء الله. وبالله التوفيق.

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 18 - 12 12/13/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 24 - 10 12/12/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 22 - 11 12/11/2017 - 10:01
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 19 - 9 12/10/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 18 - 7 12/09/2017 - 10:00