في ذكرى المولد: ومع ميلاد جديد للأمة

ما تميزت به ذكرى المولد في هذا العام، أن منّ الله تعالى علينا بميلاد جديد للأمة، كل الأمة، بدت بوادره بقوة في تونس، مصر، وبتململ بطيء وعبر رسائل متنوعة في طول الأمة وعرضها، ومن شرقها إلى غربها.

وقد يتفق الجميع أن لهذه الذكرى المباركة، ولهذا العام ذوق آخر، وفأل حسن يبشر بالخير الكثير والعميم، لطالما بشّرنا به ولطالما انتظرناه بفارغ الصبر، وبيقين بوعد الله لا تلعثم فيه ولا ريب.

وجيلنا ومن سبق معذور في إفراطه بانتظار هذا الخير، لأنه ما فتح عينيه على الدنيا، إلا ووجد أمة ذليلة مهينة، أمة مفرقة ممزقة، أمة متخلفة منكوبة، ينطبق عليها قول الشاعر متحسرا مذهولا: يا أمة ضحكت من عارها الأمم، وكنّا وما زلنا في كل مناسبة، نواسي بعضنا بعضا بكل عام وأنتم بخير، لعل الخير يحل على الأمة، ويعلم الله أننا ما مللنا وما كللنا لا يئسنا ولا كدنا... مع أن اليأس خيّم على الأمة بظل ثقيل، عزاؤنا أننا نعمل والنتائج على الله، وأننا إن لم نسعد برؤية هذا الخير في زماننا، فالطمع في الأجيال القادمة من أبنائنا وأحفادنا، ولكن فضل الله عظيم.

فها هي رياح التغيير تهب، وبوارق الأمل تلوح في سماء الأمة، والبداية من حيث لم نحتسب، نعم... من كان يظن أو يفكر بأن الانطلاقة ستكون من تونس، ذلك البلد الذي حكم بنظام بوليسي قمعي، لم يراع دينا ولا خلقا، ولا المودة في القربى، فشرّد أهله وأذاقهم لباس الجوع والخوف، ويكفيه عارا وشنارا، ذلك المشهد الذي بثته الجزيرة على أثر زوال الطاغية "بن علي" لشاب قضى 21 عاما في "قبو" تحت الأرض لا يعلم مكانه إلا أخوه الذي كان يتفقده بالطعام والشراب، خوفا من مطاردة النظام.

وإذا بالشعب التونسي المقهور، ينفجر دفعة واحدة، وينتفض انتفاضة مباركة أطاحت بالطاغية المستبد، وخلعته ونظامه من كل تونس، حتى ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، وأول من رفض استقباله الراعي الدائم لتونس.. إنها فرنسا، فسبحان الله العظيم، له في خلقه شؤون وشؤون، والجزاء من جنس العمل، فكما شرّد الأحرار الأخيار من شعبه في كل بقاع الأرض، ها هو يشرد وأهله معه، وكما سجن الأبطال الأفذاذ وسامهم سوء العذاب، ها هو يسجن في بيت معزول في السعودية حتى لا يراه أحد، وأظنه يتعذب عذاب القهر والاكتئاب، ليكون لمن خلفه آية.

وفعلا فقد كان، وإذا بشرر هذه الثورة يشعل ثورات، فكان أولها وأشدها بأسا وتأثيرا وتفاعلا، تلك الثورة المباركة التي أطاحت بنظام مبارك، وبرقم قياسي لا يتعدى الثمانية عشر يوما.

يا لها من مفارقات عجيبة، حكم مبارك ثلاثين عاما، بالحديد والنار وأحكام الطوارئ، لكنه لم يدم أمام إرادة الشعب أكثر من ثمانية عشر يوما، وحكم زين العابدين ثلاثة وعشرين عاما، ظلما وقهرا وتخويفا، فطرد بإرادة الشعب التونسي في ثلاثة وعشرين يوما، كما قالت إحدى النساء التونسيات.

وما أصاب زين العابدين أصاب مبارك، كل منهما أخرج مطرودا في يوم "الجمعة" ومطاردا من شعبه، ومن جهات حقوقية طيلة حياته، جزاء بما اقترفت يداه من ظلم وفساد.

ويعلم الله أنّني ما أردت بذلك التشفّي لا بزين العابدين ولا بمبارك, ولكنني أردت أن أكشف عن تدابير القدرة العجيبة في نهاية الظلم والظالمين, وبالتأكيد على إيماننا بوعد الله ونصره, ثمّ بإرادة شعوبنا إن أرادت الإصلاح والحياة الكريمة.

وما ميّز الثورتين في تونس وفي مصر، أنهما من الثورات الشعبية السلمية، إذ استوعبت الشعب كله، بكل شرائحه وبكل مستوياته، وإن كان الشباب هم الأصل، وهم القاعدة، وبالذات ثورة الشعب المصري، إذ كان الحضور والمشاركة الشبابية بارزا جدا من أولها إلى آخرها، وبعد سقوط النظام.

والملفت كذلك في الثورة المصرية، ذلك الأداء الحضاري والراقي الذي تميزت به هذه الثورة، رغم أنها كانت تجمع الملايين في اليوم الواحد وفي الميدان الواحد، وفي مدن عدة، فقدّمت بذلك دروسا وعبرا ليس لأمة العرب والإسلام فحسب، إنما لكل العالم أجمع.

وبعد كل هذا، فالحبل على الجرار، والله أعلم، من ستكون الثالثة والرابعة والخامسة، إلى أن تتحرر الأمة بكل شعوبها.

فيا ليت كل الزعماء، والحكومات يعون الدرس ويأخذون العبرة، ويبادرون لإصلاحات حقيقية تنعم وترضى بها كل الشعوب، فلا عودة إلى الوراء، والسّعيد من اتعظ بغيره.

وأخيرا لا أقول كل عام ونحن في خير، بل أقولها بصوت عال، وبكل فخر واعتزاز، كل عام ونحن في خير أعم وأشمل على أمتنا، وعلى العالم أجمع، فلله الحمد في الأولى والآخرة...

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 30 - 19 09/22/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 29 - 21 09/21/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 31 - 19 09/20/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 33 - 22 09/19/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 33 - 21 09/18/2019 - 11:00