من صيد العمرة (1)

- النظافة من آداب العمرة: كنا قد نزلنا من الحافلات لدى وصولنا إلى المعبر الأردني بهدف إكمال السفر من هناك إلى المدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فقال لي أحد سائقي الحافلات التي نقلتنا من أم الفحم إلى ذاك المعبر: انظر إلى الأوساخ التي تركها المعتمرون على أرضية الحافلة رغم أني قد وفرّت لهم حاويات صغيرة للأوساخ! فقلت له: أنت محق فيما تقول، سيما وأن النظافة من الإيمان، لذلك أقترح عليك في عُمرة قادمة لدى بداية سفرك مع المعتمرين أن تُسلم عليهم ثم أن تنصحهم مذكرًا إياهم أن النظافة من الإيمان، وإن على مقربة من كراسيهم قد وفرّت لهم حاويات صغيرة للأوساخ ولذا فهم مطالبون بالحفاظ على نظافة الحافلات، لأن الحفاظ على النظافة هو من آداب العمرة.

- العمرة عبادة وليست سياحة: عندما وصلنا إلى منطقة الشونة توجهت إلى المتوضأ كي أستعد لصلاة الظهر، فراعني صوت أحد المعتمرين وهو يتكلم بنبرة عالية دون انقطاع، فأدركت سلفًا أنه يتكلم عبر هاتف خليوي، وظننت أنه يتكلم خارج حمامات الوضوء، ولكني صُدمت عندما تبين لي أنه كان يجري تلك المكالمة المطولة وهو لا يزال في أحد حمامات الوضوء، وأقصد مع شديد الأسف في أحد المراحيض!!!، فقلت في نفسي:غفر الله تعالى لهذا المعتمر.ألا يعلم أنه ليس من آداب الإسلام الكلام أثناء قضاء الحاجة في المرحاض؟! ألا يعلم أن أداء العمرة يبدأ منذ لحظات خروجه من بيته، وهذا يعني أنه مطالب بأدب الكلام والطعام والمعاملة والسفر منذ خروجه من بيته حتى عودته إليه عسى الله تعالى أن يقبل عمرته، ثم قلت في نفسي متحسرًا: ألهذا الحد يجهل المعتمر؟! وما قيمة العمرة إذا قامت على جهل بآداب الإسلام؟! يا معشر كل المعتمرين تفقهوا في آداب عمرتكم فالعمرة عبادة وليست سياحة.

- صدقة المعتمر: منذ لحظات سفرنا الأولى في رحلة العمرة كان واضحًا على كل المعتمرين أنهم قد استعدوا سلفًا لرحلة عمرة مرفهة ومنعمة ومدللة، فلم يكن يمر علينا بعض الوقت إلا وأحد المعتمرين يبادر ويوزع علينا معجنات أو سكريات أو فواكهه أو مكسرات أو مرطبات، ولا أقول أن ذلك حرامًا!! حاشا لله تعالى أن أكون من الظالمين، ولكن في هذا الجو المفعم بالطعام والشراب المتواصل تقدمت مني مسلمة _جزاها الله خيرًا_ ثم قدمت لي مبلغ ألف شيقل وقالت: هذا نصرة للمسجد الأقصى، فشكرتها ودعوت لها بالخير وقلت في نفسي: ما أسهل على كل معتمر أن يتصدق كجزء من برنامج عمرته مبلغ ألف شيقل نصرة للمسجد الأقصى ودعمًا لمشاريع الخير في الداخل الفلسطيني، وما أجمل أن يبادر كل معتمر ومعتمرة لتقديم هذه الصدقة سلفًا إلى مؤسسة الصدقة الجارية تحت اسم (صدقة المعتمر) أو (صدقة الحاج)، وكي لا يُساء الظن باقتراحي فإني لا أقول ذلك من باب الإلزام الشرعي، بل من باب الإنفاق بالمعروف، ويا حبذا لو تبنت مؤسسة الصدقة الجارية هذا الاقتراح.

- العمرة خلق عظيم: هكذا هي العمرة خلق عظيم، وهكذا هو المعتمر ذو خلق كريم، يرتفع بعمرته عن سفاسف الأمور ولا يقابل السيئة بالسيئة، بل يقابل السيئة بالحسنة ويعفو ويصفح ويقول سلامًا، أقول ذلك وكلي طموح أن نؤدي العمرة ذات يوم ولا نختلف على مقاعدنا في الحافلة ولا على ترتيبها، ولا ترتفع الأصوات من أجل سوء فهم رأسماله الشيطان، ولا نستبيح أكل لحوم بعضنا ونحن لا زلنا بأكناف المسجد الحرام ونستهين بالسخرية ولعل من نسخر منه هو خير منا، فيا رب أكرمنا بعمرة تعمر قلوبنا وتزكي أنفسنا وتهذب سلوكنا وتبقي علينا مهابة الإحرام كأننا نلبسه ما دمنا في هذه الدنيا ونكون مع العمرة كالطير تغدو خماصًا وتعود بطانًا بالإيمان والأمن واليمن والأمانة ،وعندها ما أجمل أن يُقال للمعتمر: سعيا مشكورا وتجارة لن تبور

- ثورة الأمعاء وخمول الألسن: هو مشهد تعيشه كل حافلة من حافلات المعتمرين –إلا من رحم الله- ويصدق على هذا المشهد هذا العنوان (ثورة الأمعاء وخمول الألسن)!! لماذا؟! لأن معظم هذه الحافلات التي تعيش هذا المشهد ينكب كل من فيها من المعتمرين والمعتمرات على مواصلة الأكل منذ خروجهم من بيوتهم حتى وصولهم إلى المدينة المنورة أو مكة المكرمة حفظهما الله تعالى، وهذا يعني أنهم يقضون نهارًا ثم ليلا ثم بعض نهار وهم يأكلون إلا وقت النوم أو أداء الصلاة، وإلا فما دون ذلك فهم يأكلون، وحركة الأكل لا تتوقف، فهذا أحد المعتمرين يوزع معجناته التي أعدها في البيت، وما أن يتم مهمته على أكمل وجه حتى يقوم معتمر ثان ويبدأ بتوزيع ما أعده من كعك أو مناقيش أو ملاتيت وبعد أن يتم مهمته يقوم معتمر ثالث ويبدأ بتوزيع الفواكه على أنواعها، وهكذا يقوم معتمر رابع وخامس وسادس، وهذا يعني أن حركة توزيع الطعام مستمرة، وهذا يعني أن ثورة الأمعاء مستمرة، ولكن ماذا عن قراءة القرآن والذكر والدعاء والتلبية؟! الجواب على هذا السؤال محزن في حافلات المعتمرين إلا من رحم الله تعالى، وهذا ما يصنع تباينًا واسعًا بين حركة الأمعاء وجمود الألسن، فالأمعاء في ثورة طعام والألسن في خمول وانقطاع عن الأذكار بكل أصنافها، لذلك أنا أنصح كل معتمر ومعتمرة أن يحرص على أخذ مصحف وسبحة وكتاب مأثورات حتى يجمع في طريقه إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة حفظهما الله تعالى بين ثورة الأمعاء وثورة الألسن.

- قفزة نوعية: نزلنا عندما حللنا ضيوفًا على مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم في فندق (أراماس المدينة) وهو فندق قريب جدًا من حرم المسجد النبوي وإذا ما خرج أحدنا من بابه وسار في خط مستقيم فإن الباب سيقوده إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى قبر أبي بكر الصديق وقبر عمر رضي الله عنهما، وهو فندق نظيف الغرف وهادئ الأجواء، وبإمكان النازل فيه أن يحظى بضيافة القهوة والتمر مجانًا ما بعد العصر، وأما فطوره الصباحي فهو طيب الطعام ولذيذ الشراب، وما أجمل للمعتمر أن يتناول فطوره صباحًا مع أسرته في أجواء من السكينة والطمأنينة التي تخيم أصلا على المدينة المنورة، ثم بإمكان المعتمر بعد تناول الفطور أن يتوجه إلى بهو الاستقبال فسيجد مجموعة صحف عربية ويمكنه أن يأخذ واحدة منها مجانًا، ثم إذا خرج أي معتمر من الفندق فلا بأس على غرفته فإنه سيجد بعد صلاة الظهر أن عمال الفندق قد قاموا بتنظيفها وترتيبها على أكمل وجه، بل قاموا بوضع قنينتي ماء جديدتين وأكياس قهوة وشاي جافة ومكعبات حليب صغيرة وإبريق كهربائي كيما يعد المعتمر لنفسه القهوة أو الشاي متى رغب، وإذا ما وقع أي خلل في قائمة الخدمات التي ذكرتها فما على المعتمر إلا أن يتوجه إلى مكتب الاستقبال وسيتم علاج شكواه فورًا، وما لفت انتباهي في هندسة هذا الفندق أن القائمين عليه قد أكثروا من عدد مصاعده لذلك لا يمكن أن يطرأ أي ازدحام على حركة المعتمرين لدى دخلوهم إلى الغرف أو الخروج منها، ولا شك هي قفزة نوعية في خدمة المعتمرين.

- يوم مثالي في رحلة المعتمر في المدينة: قالوا إن الوقت أغلى من الذهب، وقالوا الوقت كالسيف إن لم تقطع به قطعك، وقالوا الوقت هو الحياة، فإذا كان هذا الحال وقت إي إنسان في الدنيا فكيف هو حال وقت المعتمر؟! لا شك أنه أغلى وأغلى وهو الحياة كل الحياة، وهو أمانة في عنق المعتمر ما أثقلها، وكي لا يذهب وقت المعتمر عبثًا فإني اقترح عليه هذا البرنامج كي يصبح يومه مثاليًا في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1. أداء صلاة الفجر في المسجد النبوي.
2. العودة إلى الفندق وأخذ قسط من الراحة.
3. تناول فطور الصباح.
4. التوجه إلى المسجد النبوي وأداء تحية المسجد.
5. زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
6. أداء صلاة الضحى.
7. قراءة جزء من القرآن.
8. ثم ترداد هذه الأذكار: استغفر الله (100 مرة)، سبحان الله (100 مرة)، الحمد لله (100 مرة)، الله أكبر (100 مرة)، لا إله إلا الله (100 مرة)، سبحان الله وبحمده (100 مرة)، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير (100 مرة)، لا حول ولا قوة إلا بالله (100 مرة)، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (100 مرة)، حسبي الله ونعم الوكيل (100 مرة)، يا حي يا قيوم برحمتك استغيث (100 مرة)، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (100 مرة)، يا عالمًا بحالي عليك اتكالي (100 مرة)، اللهم اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم (100 مرة)، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (100 مرة)، اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك (100 مرة).
9. ثم قراءة المأثورات.
10. أداء صلاة الظهر.
11. العودة إلى الفندق وأخذ قسط من الراحة أو أن ينام القيلولة.
12. أداء صلاة العصر في المسجد النبوي.
13. زيارة البقيع.
14. تناول طعام الغداء.
15. التسوق بلا إسراف.
16. أداء صلاة المغرب في المسجد النبوي، ثم قراءة جزء قرآن، ثم قراءة المأثورات.
17. أداء صلاة العشاء في المسجد النبوي.
18. العودة إلى الفندق والاستعداد لأداء صلاة الفجر في المسجد النبوي.

يتخلل هذا البرنامج اليومي الثابت برامج متغيرة مثل زيارة مسجد قباء والمواقع التاريخية الهامة في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل جبل أحد والخندق، فهذه المواقع وغيرها يمكن أن يزورها المعتمر خلال أيام نزوله ضيفًا في المدينة المنورة.

- أشواق أقوى من الأسلاك: هي ظاهرة ليست جديدة ولكنها تقوى عمرة بعد عمرة، ولقد فرحت لها منذ أول رحلة حج أكرمني الله تعالى بها وكان ذلك عام 1990 ثم أزداد فرحي بها وبازدياد قوتها خلال كل رحلة عمرة أو رحلة حج بعد ذلك، ونحن اليوم في عام 2011 ولذلك لا شك أن هذه الظاهرة قد استوت على سوقها وأعني ما أقول!! أتدرون ما هي؟! إنها الأشواق التي تملأ قلب كل معتمر حبًا للقدس والمسجد الأقصى!! إنها الأشواق التي دفعت بعض المعتمرين أن يبكي وهو يصافحنا!! ولذلك فليت الاحتلال الإسرائيلي الغبي يعلم أن هذه الأشواق المحبة للقدس والأقصى يحملها مئات الملايين، وهي أشواق أقوى من كل أسلاك الاحتلال الواهنة، وأقوى من كل حواجزه المنهارة، وأقوى من كل حدوده المصطنعة!! يا لتعاسة هذا الاحتلال المتنفش وهو غبي، ليته يدرك أن هذه الأشواق قد تجاوزته ودخلت القدس والمسجد الأقصى، ومما لا ريب فيه أن القلوب والأجساد التي تحمل هذه الأشواق عما قريب ستدخل القدس والمسجد الأقصى عزيزة كريمة بإذن الله تعالى لا بإذنك أيها الاحتلال الغبي بل رغم أنفك وإن غدًا لناظره قريب.
يتبع

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 33 - 19 10/19/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 31 - 18 10/18/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 28 - 17 10/17/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 23 - 17 10/16/2017 - 10:01
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 25 - 17 10/15/2017 - 10:00