من صيد العمرة (2)

أكرم من أهل المدينة:
قالت العرب في الجاهلية -ما قبل الإسلام: "أكرم من حاتم" واليوم أقولها مطمئنًا في أتم قناعة: "أكرم من أهل المدينة المنورة" -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- ذلك أن طائفة من أهلها - وهذا من مظاهر كرمهم- لا يزالون يقيمون كل يومي اثنين وخميس مائدة إفطار للصائمين،نافلة خارج رمضان، هذا بالإضافة إلى المائدة التي يقيمونها كل يوم في رمضان، وبطبيعة الحال فإنهم يقيمون هذه المائدة في أحد أروقة المسجد النبوي، وقد أكرمني الله تعالى وشاركت طليعة صائمين إفطارهم في هذه العمرة في المسجد النبوي رغم أنني ما كنت صائمًا، فقال لي صاحب المائدة أكرمه الله تعالى وهو يكاد أن يطير فرحًا: هذا الفتى الذي يشاركنا الإفطار من ألمانيا، وهذا من إيطاليا، وهذا من فرنسا، وهذا من كندا، وهذا من تشيلي، وهذا من اندونيسيا، وهذا من أفغانستان، فقلت له مداعبًا: ما شاء الله تعالى لقد اجتمعت الكرة الأرضية في هذا الإفطار.

نحو خطوة إلى الأمام: آن الأوان بعد مرور سنوات طويلة على رحلات العمرة أن نتقدم في سلوكنا وعبادتنا ومعاملتنا خطوة إلى الأمام في كل عمرة نحو سلوك أحسن وعبادة أصفى ومعاملة أزكى، وحتى يتم لنا ذلك اقترح على مسؤول كل حافلة ألا يكتفي بتسجيل أسماء المنضمين إلى حافلته فقط، بل أقترح عليه أن يقوم بعقد اجتماع لكل من في حافلته قبل بداية رحلة العمرة بأيام كي يتعارفوا على بعضهم وعلى طباع بعضهم وهذا من شأنه أن يصنع أحسن أجواء انسجام فيما بينهم خلال كل أيام العمرة، ثم أقترح عليه أن يختار من بينهم لجنة مصغرة يستعين بها عند وقوع أية مشكلة خلال عمرتهم بهدف اتخاذ القرار الصائب المطلوب، ثم اقترح عليه أن يصنع برنامجًا لكل من في حافلته خلال وجودهم في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وخلال وجودهم في مكة المكرمة حفظها الله تعالى، ثم أقترح عليه أن ينظم كل من في حافلته إلى عدة مجموعات معروفة سلفًا كي تؤدي كل مجموعة العمرة بكامل التعاون والانضباط ويا حبذا لو تخلل كل ذلك فقرات من دروس وأدعية ومسابقات هادفة، ولا بأس لو أقام صندوقًا ماليًا مصغرًا من أموال كل من في حافلته بهدف الإنفاق على الجميع خلال ساعات السفر الطويلة سيما عند الوقوف المؤقت في بعض الاستراحات الموجودة بين حالة عمار والمدينة المنورة ثم بين المدينة المنورة ومكة المكرمة.

سطوة الشيطان:
ما رأيت الشيطان أقدر على العابد منه على المعتمر. فكم من معتمر رأيته يغضب لأتفه الأسباب، وما أظنه كان ليغضب لولا تلاعب الشيطان به. وكم من معتمر رأيته يصرخ وهو يلبس ثياب الإحرام وما أظنه كان ليصرخ لولا تلاعب الشيطان به. وكم من معتمر رأيته ثائرًا يتلفظ بأغلظ الألفاظ وهو الذي قد تحلل من عمرته قبل دقائق معدودات وما أظنه كان "ليبربر" لولا تلاعب الشيطان به. وإن كثرة هذه السلوكيات المستهجنة تجعل المرء يرصد المستعمرين باحثًا عمن نجا من تلك الآفات فوجدت نفسي كمن يبحث عن إبرة في كومة قش بحجم الجبال، فكنت ولا زلت أتساءل: لماذا هذا الداء الذي أسرع ما يُصاب به المعتمر؟! لماذا هذا الداء الذي يُفسد على آلاف المعتمرين عمرتهم؟! لماذا هذا الداء الذي لا يفرق بين المعتمرين والمعتمرات بل يصيب الجميع إلا ما رحم ربي؟! لماذا هذا الداء الذي لا يفرق بين المعتمرين المتعلمين والعوام منهم بل يصيب الجميع بدون استثناء؟! لماذا هذا الداء الذي ما أسهل أن نشفى منه لو صممنا على طلب الدواء؟! لماذا هذا الداء الذي يهدم ويفسد ويفرق ويتعب ويؤلم ولا يصبر عليه إلا القليلون من وفود المعتمرين؟! لماذا هذا الداء والرسول صلى الله عليه وسلم قد قال لأحد الصحابة رضي الله عنه: "لا تغضب، لا تغضب، لا تغضب"، ثم رددها مرارًا وهو يقول له: "لا تغضب".

يوم مثالي في رحلة المعتمر في مكة:
حتى يستثمر المعتمر القاعدة الأخروية التي تقول: "صلاة في المسجد الحرام تساوي مائة ألف صلاة فيما سواه"، ثم على ضوئها قال بعض علمائنا: "إن كل طاعة في المسجد الحرام تساوي مائة ألف طاعة فيما سواه، سواء كانت صلاة أو صومًا أو ذكرًا أو استغفارًا أو دعاء أو اعتكافًا أو طوافًا أو قراءة قرآن"، حتى يستثمر المعتكف كل ذلك وهو قد جاء يسعى من أجل كل ذلك قاطعًا آلاف الأميال، فإني أنصحه أن يتبنى هذا البرنامج ولو ليوم واحد، كي يحظى بيوم مثالي خلال نزوله في مكة:

1. أداء صلاة الفجر في المسجد الحرام.
2. استراحة وتناول وجبة الإفطار.
3. الطواف حول الكعبة،وأقله سبعة أشواط.
4. صلاة الضحى.
5. قراءة ورد من القرآن.
6. ترداد الأذكار التي ذكرتها من قبل.
7. أداء صلاة الظهر في المسجد الحرام.
8. استراحة القيلولة.
9. أداء صلاة العصر في المسجد الحرام.
10. تناول وجبة الغداء.
11. التسوق بلا إسراف.
12. أداء صلاة المغرب في المسجد الحرام.
13. قراءة المأثورات.
14. ترداد الأذكار التي ذكرتها من قبل.
15. أداء صلاة العشاء في المسجد الحرام.
16. النوم إلى ما قبل صلاة الفجر.
17. أداء صلاة الفجر في المسجد الحرام.

وإلى جانب ذلك يا حبذا لو حرص المعتمر -بخاصة الذي يؤدي العمرة لأول مرة -على زيارة المواقع الدينية والتاريخية بمكة المكرمة مثل جبل عرفات ومنى والجمرات وغار حراء وغار ثور وقبور الصحابة والصحابيات رضي الله عنهم.

ولو بشق تمرة:
إنها الجنة التي من فاز بها فما خسر شيئًا ومن خسرها فما فاز بأي شيء، وهي التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة"، وهي التي حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على طلبها مؤمنين عابدين عاملين دون أن نحقر من المعروف شيئا لدرجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ابتسامتك في وجه أخيك صدقة"، ولدرجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: "اتق النار ولو بشق تمرة"، ولقد رأيت معنى هذا الحديث واقعًا ملموسًا في رحاب المسجد الحرام، فهذا أحد المعتمرين وقف ذات يوم ما بين صلاة المغرب والعشاء يوزع كؤوس ماء زمزم على قطاع واسع من المعتمرين، وهذا أحد المعتمرين كان يجلس قرب خزان لسقيا زمزم ويملأ الكؤوس ماء زمزم ويناولها للراغبين وكله فرح وسرور، ومن أغرب ما رأيت هو ما قام به أحد المعتمرين قبيل صلاة الجمعة حيث كان قد ملأ جيوبه بحبات الحلوى وكان يطوف على المعتمرين ويسقط حبة أمام كل معتمر وأنا ممن اقترب مني وكنت في قعود الصلاة الأخير فاسقط أمامي حبة منها ثم لما عاد واصل نثر ما تبقى من حبات الحلوى على نفس المعتمرين الذين أعطاهم المرة الأولى، وهذا أحد المعتمرين جلس بمحاذاتي وأنا أكتب هذه الخاطرة فطلب مني أن أبسط يدي ثم مسح عليها بقنينة عطر زكية الرائحة، فهي الجنة؛ من طلبها صادقًا سَهّل الله تعالى له طريق الوصول إليها، فيا معشر المعتمرين: "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة".

إنها وقف:
إن الكثير من الفنادق التي ينزل فيها المعتمرون هي وقف، وهذا يعني أنها ليست ملكا لأحد سواء كانت في المدينة المنورة أو مكة المكرمة حفظهما الله تعالى، وهذا يعني أن ريعها موقوف على مصالح إسلامية عامة في المدينة المنورة ومكة المكرمة أو في مواقع أخرى في العالم الإسلامي، ولذلك فإن ضرورة الحفاظ على هذه الفنادق هي كضرورة الحفاظ على المساجد، ولكني رأيت من المعتمرين عجبًا عجابا، رأيت من خلع حاملة الصابون المعلقة في حمام الغرفة، ورأيت من خلع دفة خزانة لمواد الحمام في حمام الغرفة، ورأيت من ترك بقايا طعام جاف ويابس على بساط إحدى الغرف، ورأيت من خلع قائم مصباح فاخر في إحدى الغرف، مع التأكيد المؤلم أن كل مظاهر هذا الإتلاف وقعت في فندق موقوف لم يمض على افتتاحه سوى وقت قصير، وليت المعتمر يدرك أن العمرة والعمارة والعمران من مصدر واحد مضاد للخراب والإتلاف، ولقد ركبت في سيارة أجرة ذات يوم في مكة المكرمة حفظها الله تعالى وكان السائق شابًا يعمل في أحد الفنادق الموقوفة فأخذ يحدثني عن المعتمرين المنضبطين ويمدحهم،ثم ذكر منهم معتمري تركيا وماليزيا وتونس، ثم أخذ يشكو من المعتمرين الغربيين في بعض تصرفاتهم، وذكر أيضا المعتمرين فلسطينيي 48، فمن ينكر أنه انطباع سلبي، ومن ينكر أننا بأمس الحاجة إلى اجتثاثه من الجذور، ومن ينكر أننا بحاجة فورية لمعاملة حسنة وخلق عظيم قبل العمرة وفيها وبعدها، وإلا فلا أريد لنفسي ولغيري من سائر المعتمرين أن نكون كمن صام ولم يصم، أو صلى ولم يصل، أو حج ولم يحج، أو اعتمر ولم يعتمر، بل كم أتمنى أن يُشار لنا ونحن في عمرتنا بكل تقدير واحترام وأن يُقال عنا بكل حب واعتزاز: هؤلاء معتمرو بيت المقدس.

يا مسلمي العالم اتحدوا:
هو نداء صدع به السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله تعالى، ولقد استمد هذا النداء من قول الله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) ومن قول الله تعالى (وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)، ومن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، ومن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"، ولقد تجلت لي معاني هذه الآيات والأحاديث النبوية عقب صلاة الجمعة في المسجد الحرام حتى إنني قلت: "ليت تلك اللحظات طالت ودامت"، فبعد ختام الصلاة مباشرة تقدم منا أخوة لا نعرفهم فصافحونا وقالوا: نحن من مصر... نحن قادمون إليكم، ثم صافحنا أخوة آخرون لا نعرفهم وقالوا: نحن من سوريا... سنصلي سويًا في المسجد الأقصى، ثم صافحنا أخوة آخرون لا نعرفهم وقالوا: نحن من الأردن... لقد اشتقنا للصلاة في المسجد الأقصى، ثم صافحنا أخوة آخرون من تونس وقالوا: نحن من تونس... كل الشعب التونسي يحب القدس، ثم صافحنا أخوة من تركيا وقالوا: نحن من تركيا... نحن معكم في أسطول الحرية، ثم صافحنا أخوة من المغرب وأخوة من موريتانيا وأخوة من أفغانستان وأخوة من كشمير وأخوة من ماليزيا وأخوة من الصومال وأخوة من السودان وأخوة من اليمن وأخوة من السعودية وأخوة من الإمارات وأخوة من قطر وأخوة من الجزائر وأخوة من الكويت، كلهم لا نعرفهم، وكلهم صافحنا، وكلهم دعا لنا بالخير، وكلهم أباح لنا ما في صدره من ألم،لأنه لم يصل حتى الآن في المسجد الأقصى، فيا مسلمي العالم اتحدوا.

أذَهَبَ الحديث عن القشور بالأجور؟
العمرة رحلة طويلة وشاقة وتستغرق أسبوعين، ولا شك أن كل معتمر فيها يطمع بأن يحظى بكافة الخدمات التي وُعِد بها سلفًا، وهذا من حقه، ولا شك أنه لا تخلو عمرة من ثغرات في نظامها وإدارتها، وقد سمعت شواهد من ألسنة المعتمرين تؤكد ما أقول، ولكن حذار أن نُذهِب الأجور بالحديث عن القشور، بمعنى أن هناك بعض الثغرات الشكلية التي يسهل على كل معتمر علاجها فورًا، فالحذر الحذر أن نندفع للحديث عنها بلغة التجريح أو التشهير، عندها فإن أخشى ما أخشاه أن يذهب الحديث عن هذه القشور بالأجور، وعلى سبيل المثال استوقفني أحد المعتمرين شاكيًا وقال لي: إن إدارة الفندق الذي نزل فيه لم توفر له "ورق تواليت" فما أسهل على هذا المعتمر لو اتصل بإدارة الفندق الذي نزل فيه، فإن مشكلته هذه ستعالج فورًا، وعلى سبيل المثال هناك بعض المعتمرين كان محقًا بما يقول، ولكنه لم يكن محقًا بالأسلوب الذي كان به يقول، فالمطلوب النقد البناء والمطلوب الأسلوب الناقد الذي ينسجم مع النقد البناء، وإلا إذا كان الأسلوب الناقد على غير ذلك فإن أخشى ما أخشاه أن يذهب الحديث الفظ والأسلوب الفظ بالأجور، ورحم الله تعالى كل ناقد منا أو منتقد تبنى قول الفاروق عمر: "رحم الله امرءا أهدى إليَّ عيوبي".

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 28 - 20 09/26/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 28 - 20 09/25/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 28 - 20 09/24/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 27 - 19 09/23/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 29 - 21 09/22/2017 - 10:00