"من لا مذهب له فالهوى مذهبه"

إنّ من أعظم دواعي الضلال اتباع الهوى، فإنه يهوي بصاحبه إلى المهالك حتى يورده النار.
قال الشاطبي: "سمى الهوى هوى، لأنه يهوي بصاحبه إلى النار".
وأصل الضلال: اتباع الظن والهوى، كما قال تعالى فيمن ذمهم: (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى) (النجم: 23).
والهوى: "كل ما خالف الحق، وللنفس فيه حظ ورغبة من الأقوال والأفعال والمقاصد، فالهوى ميل النفس إلى الشهوة، ثم يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية!!".
ومن نظر في كثير من الخلافات بين الجماعات والأفراد، وجد أنّ حقيقتها حب عبادة النفس واتباع الهوى، أو أغراض سيئة دنيئة، وقد علم أن الهوى يعمي ويصم ويضل عن سبيل الله، وقد ترجع إلى أمور شخصية أو تطلعات معينة دنيئة، وإن غلفت بالغيرة على الدين وإرادة إظهار الحق...
قال الشاطبي رحمه الله تعالى: "كل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة علمنا أنها من مسائل الإسلام، وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنابز والتنافر والقطيعة علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء، وأنها التي عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفسير الآية، وهي قوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا) (الأنعام: 159). فيجب على كل ذي دين وعقل أن يجتنبها، ودليل ذلك قوله تعالى: (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا) (آل عمران: 103). فإذا اختلفوا وتقاطعوا كان ذلك لحدث أحدثوه من اتباع الهوى، فالإسلام يدعو إلى الألفة والتحاب والتراحم والتعاطف، فكل رأي أدى إلى خلاف ذلك فخارج عن الدين" أ. هـ.

وبناء على ذلك أقول: إنّ من نتائج عدم التمذهب:
أولا: تشتيت أفكار النّاس وإقحامهم في مستنقع الخلافات المذمومة التي لا طائل من ورائها إلاّ الحقد والضغينة والتفرق الممقوت، فنحن بالمتذهب في غنى عن الخلاف في مسألة قنوت الفجر ومدى مشروعيتها وفي غنى عن الخوض في مسألة الجهر بالبسملة ومدى مشروعيتها وفي غنى عن الخوض في مسألة تسيد النبي صلّى الله عليه وسلّم بالصلاة ومدى مشروعيتها، وذلك لأنّ مذهب الشافعية على استحباب ذلك وندبه، وأهلنا في هذه البلاد مقلدون لمذهب السادة الشافعية على مدار قرون.
ثانيا: ظهور موجة تيارات التفسيق والتضليل والغلو في المساجد والمعاهد والجامعات بحجة اتباع الدليل والرأي الأصوب وبحجة الاتباع لا الابتداع، وفاتهم أنّ البدعة الكبرى تكمن في إلغاء التمذهب والجرأة على أئمة المذاهب وأعلامها.
ثالثا: التطاول على العلماء والنيل من أعراضهم ونهش لحومهم المسمومة، والعجب أنّ هؤلاء أنصاف أرباع المتعلمين شرّعوا لأنفسهم ذلك تحت غطاء ولحاف مبدأ الجرح والتعديل، فلله درّه من تخريج وتأصيل ممجوج!!
رابعا: الخوض في مسائل انتهى البحث فيها من قرون عديدة ووَسِعَت الأجيال السالفة على اختلاف لغاتهم وقبائلهم وأعراقهم، ما أوقع عوام النّاس في دائرة خلاف في مسائل فرعية يعسر الخروج منها، الأمر الذي أورث الضغائن والأحقاد والكراهية والعداوة والبغضاء.
خامسا: انتشار ظاهرة الميول إلى الترخص وتتبع الآراء لإشباع رغبات النفس ورعوناتها وشهواتها تحت لحاف وغطاء مبدأ "التيسير لا التعسير" تارة وتكأة على مبدأ "إنّ الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه" تارة أخرى.
لذا تجده إن وجد له رخصة للجمع مع المالكية فهو مالكي المذهب، وإن وجدها مع الشافعية أصبح شافعيا، وإن وجدها مع الحنابلة أصبح حنبليا، وفي موضع آخر يصبح حنفيا، ولو استلزم الأمر أن يقلّد قولا لمذهب مندرس فلا غضاضة ولا حرج في سبيل إشباع رغباته النفسية.
والعجيب أنّ أحدهم إن وجد رخصة ولو ملفقة ترخص له في الجمع أو القصر فكأنّما حيزت له الدنيا بحذافيرها وربح الدنيا والآخرة، لأنّه أسقط عن كاهله صلاة مفروضة لو عرضت على السموات والأرض لأشفقن من حملها، وإلى الله المشتكى ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العظيم!!

وقد ترتب على هذا الأمر ما يلي:
‌أ. الاستهانة بالدين، فلا يكون مانعًا للنفوس من هواها، ومن مقاصد الشرع إخراج الإنسان عن داعية هواه، والقول بإباحة تتبع الرخص فيه حث على إبقاء الإنسان فيما يحقق هواه.
‌ب. الانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلاف، ثم إنه لا يوجد محرّم إلا وهناك من قال بإباحته إلا ما ندر من المسائل المجمع عليها، وهي نادرة جدًا.
‌ج. انخرام قانون السياسة الشرعية بترك الانضباط إلى أمر معروف، فتضيع الحقوق، وتعطّل الحدود، ويجترئ أهل الفساد.
‌د. إفضاؤه إلى القول بتلفيق المذاهب على وجه يخرق الإجماع.

من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليتمذهب:
قال سليمان التيمي: "إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله"، قال أبو عمر بن عبد البر: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافًا" [انظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 2/ 92، والإحكام لابن حزم 6 / 317].
وقال الأوزاعي: "من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام" [انظر: سنن البيهقي الكبرى رقم (20707) 10/211].
وقال الإمام أحمد: لو أن رجلا عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع (يعني الغناء) وأهل مكة في المتعة كان فاسقًا.
[انظر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر بن الخلال رقم (171) ص206].
وقال الشاطبي: "فإذا صار المكلف في كل مسألة عنّت له يتبع رخص المذاهب وكل قول وافق فيها هواه فقد خلع ربقة التقوى وتمادى في متابعة الهوى ونقض ما أبرمه الشارع وأخر ما قدمه" [انظر: الموافقات للشاطبي 2/386–387]. وذلك لأنّ تتبع الرخص مؤدٍ إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها؛ لأنّ له أن يفعل ما يشاء ويختار ما يشاء، وهو عين إسقاط التكليف.
وهذا ما توصل إليه مجمع الفقه الإسلامي في جلسته المنعقدة في دورة مؤتمره الثامن في بندر سيري بيجوان، بروناي دار السلام، من 1–7 محرم 1414هـ الموافق 12–27 حزيران 1993م، فقد نصّ على جواز الأخذ بالرخص في القضايا العامة التي تُعامل معاملة المسائل الفقهية الأصلية إذا كانت محقّقة لمصلحة معتبرة شرعًا، وصادرة عن اجتهاد جماعي ممن تتوافر فيهم أهلية الاختيار، ويتصفون بالتقوى والأمانة العلمية، ونصّوا على أنه لا يجوز الأخذ برخص الفقهاء لمجرد الهوى؛ لأن ذلك يؤدي إلى التحلّل من التكليف. وإنما يجوز الأخذ بالرخص وفق الضوابط الآتية:
* أن تكون أقوال الفقهاء التي يُترخّص بها معتبرة شرعًا، ولم توصف بأنها من شواذ الأقوال.
* أن تقوم الحاجة إلى الأخذ بالرخصة دفعًا للمشقة، سواء أكانت حاجة عامة للمجتمع أم خاصة أم فردية.
* أن يكون الآخذ بالرخص ذا قدرة على الاختيار، أو أن يعتمد على من هو أهل لذلك.
* ألا يترتب على الأخذ بالرخص الوقوع في التلفيق الممنوع.
* ألا يكون الأخذ بذلك القول ذريعة للوصول إلى غرض غير مشروع.
* أن تطمئن نفس المترخّص للأخذ بالرخصة. [انظر: مجلة المجمع، العدد الثامن ج1 ص 41، قرار رقم: 70 (18)].

وسنبيّن في اللقاء القادم الحالات التي يسمح فيها الخروج عن المذهب وفق المقرر في مذهب الشافعية.

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 26 - 19 10/18/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 26 - 19 10/17/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 26 - 18 10/16/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 26 - 18 10/15/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 27 - 18 10/14/2018 - 10:00