آهات وبشائر مقدسية (3)

*لَهَفَي عَلَى القُدْسِ الحَبِيبَةِ إِذْ تَئِنُّ مِنَ الجِـرَاحْ

منذ احتلال المدينة وسياسات التغيير الصهيونية لم تتوقف سعيًّا لتحقيق هدفين: أولهما تغيير طابع المدينة ليصبح أقرب إلى الفكر الصهيوني بكل وجوهه الفكرية والعمرانية والثقافية والتاريخية وما يتعلق بها من أساطير، وفي هذا الإطار يدخل السعي الصهيوني المحموم لبناء الهيكل المزعوم على أرض الحرم القدسي في المقام الأول، وإحاطة المدينة بمدن استيطانية هائلة.
أما الهدف الثاني، فهو مسح الطابع الإسلامي والعربي للمدينة، وهو الطابع الذي كان قبل عام 1948 يشكل الصورة الشاملة للمدينة. فإذا أدركنا أهمية سعي الصهاينة لمسح الذاكرة العربية الإسلامية وإحلال الصورة الصهيونية المستندة إلى الأساطير اليهودية مكانها أدركنا عمق المأساة التي تتعرض لها المدينة العربية المقدسة.وللأسف براقنا" أصبح مبكى، "وبوابة دمشق باب العامود وباب الخليل" أصبحت قلعة داود "الملك ديفد" وغيرها وغيرها.. أما "باب الواد" لم يعدْ واد لأنه طريق يقود إلى منزل شارون.! ...هذا الواقع الذي تمر به القدس هو الذي حدا بالشاعر ان يصرخ من قحف قلبه:
"لَهَفَي عَلَى القُدْسِ الحَبِيبَةِ إِذْ تَئِنُّ مِنَ الجِـرَاحْ
فَالحَدُّ حَامٍ نَصْلُهُ قَدْ طَـالَ أَقْصَـى المُسْتَبَـاحْ
وَسَعَى لِمَا بَعْدَ المُبَاحِ وَمُعْمِلاً وَضَحَ الصَّبَـاحْ
ما هَمَّهُ تَتْرَى نَصِيحُ بِكَـانَ خَالِـدُ أَوْ صَـلاَحْ
مَا دَامَ فِينَـا عَازِفُـونَ بِكُـلِّ أَلْحَـانِ النُّبَـاحْ
مَا دَامَ فِينَا مَنْ يُزَيِّـنُ كَيْـفَ نَأتِيـهِ انْبِطَـاحْ
كَمْ مِنْ عَمِيلٍ سَافِرٍ مَا عَادَ يَخْشَـى الاِنْفِضَـاحْ
وَيَغُذُّ آتُونَ اقْتِتَـالٍ مَـا يَكِـلُّ وَمَـا اسْتَـرَاحْ

وَمُعَرْبِدًا أَنَّى يَشَـاءُ وَمَـا يَشَـاءُ لَـهُ مُبَـاحْ
والنَّاسُ تَخْشَى أَنْ تُشِيرَ إِلَيْهِ سِرًّا أَوْ صَـرَاحْ
لكِنَّنِي يَا قُدْسُ أُقْسِمُ سَـوْفَ يَأتِيـكِ السَّـرَاحْ
رَغْمَ الخُطُوبِ وَبِالمَشِيئَةِ قَدْ تَرَيْنَ الصُّبْـحَ لاَحْ
وَتَزُولُ عَنْكِ مَرَارَةُ القَيْدِ الثَّقِيـلِ إِلَـى انْفِتَـاحْ
وَيَعُودُ ذَاكَ الحُضْنُ يَحْوِي الكُلَّ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَحْ
وَبَيَارِقُ التَّوْحِيدِ فَوْقَ رُبَاكِ تَخْفُـقُ كَالجَنَـاحْ

سَيَزُولُ يَا قُدْسُ العَدُوُّ وَمَعْهُ مَنْ دَأَبَ الجِمَـاحْ
مِمَّنْ حَمَى الخَصْمَ اللَّدُودَ وَمُعْمِلاً فِينَا النِّطَـاحْ
قَدْ ظَنَّ أَنَّ القَيْدَ مَاضٍ كَيْفَ شَاءَ وَلَـنْ يُـزَاحْ
أَوَ مَا وَعَى لِلَّهِ أَمْرُ المَنْـعِ أَوْ أَمْـرُ السَّمَـاحْ
إِنْ كَانَ يَقْـدِرُ فَلْيُـلاَقِ اللهَ يُشْهِـرُ لِلسِّـلاَحْ"
...............................................................
ومما ساعد على التهويد السريع للمدينة، إضافة إلى ازدياد أعداد المستوطنين المحتلين لمنازل العرب، أن السلطات الإسرائيلية تمنع أولئك العرب من بناء البيوت الجديدة أو ترميم بيوتهم القائمة أو إصلاح ما تهدم منها، وإذا تجرأ أحد على فعل ذلك بلا إذن فسلطات الاحتلال تقوم بهدم البناء بمجمله، وقد رأينا مئات البيوت التي هدمت أمام أنظار أصحابها.
ولا يقتصر الأمر على ما تقدم، بل تقوم إسرائيل بفرض الضرائب العالية على السكان العرب تحت أعذار وذرائع واهية القصد منها خلق الإحباط في نفوسهم ليغادروا منازلهم لتصبح لقمة سائغة للمستوطنين اليهود، وغالبا ما يتم اللجوء كذلك إلى الوجه الآخر، أي الإغراء المالي الذي يأتي بعد تضييق كبير يمس أسس الحياة المادية للناس ليصبح الإغراء بعدها كأنه طوق النجاة الذي قد يلجأ إليه الملاك إما ببيع منازلهم وإما بتأجيرها لأجل طويل، ومن يرفض -وكلهم يرفضون- توضع المزيد من العراقيل أمامهم، بدءا من صعوبة الوصول العادي والطبيعي إلى بيوتهم ومحالهم بسبب الأسوار العالية أو الأسلاك الشائكة المتناثرة في كل مداخل الشوارع والأزقة والأبواب، مرورا بالإرهاب اليومي من المستوطنين، مما يجعل هؤلاء السكان في حالة حرب حقيقية لحماية وجودهم وهويتهم، بحيث أصبحوا خط الدفاع الأخير للحفاظ على المدينة أمام الطمس أو الاندثار.
إن سكان الأحياء داخل مدينة القدس خاصة وخارجها عامة بحاجة إلى دعم مادي عاجل ومستمر، ليكون الحد الأدنى الضروري لهم في معركتهم المقدسة في المقاومة والدفاع عن المدينة، وإلا فقد يضعفون مع الزمن. إنهم بحاجة إلى الدعم المادي ليستمروا في العيش وإلى الأثر المعنوي الذي يحدثه الدعم المادي ليواصلوا مقاومتهم.
أضف إلى ذلك أن هذا الدعم، إن حدث، سيعزز إحساسهم بأن عمقهم العربي الإسلامي يقف إلى جانبهم ومن ثم يصبح لمقاومتهم وجه آخر أكثر قوة وصلابة....
عاطفة سلبية ضارة
لقد أضحت قبة الصخرة بشكلها البديع والمسجد الأقصى بهيبته المعهودة في وسط دائرة الخطر الحقيقي، فبعد كل هذه السنوات من الفعل اليهودي المثابر على تغيير معالم المدينة وتهويدها، وبخاصة عبر الحفريات المخيفة التي نخرت أساس المسجد الأقصى، بات الخطر حقيقيا يؤذن بالخراب ويستدعي الفعل الجاد، فطوال خمسين عامًا ونحن نشعر بالحسرة والأسف وقد نستنكر أو نرسل المذكرات إلى جهات غافلة أو متآمرة على ما يجري للقدس من تغيير وما يعانيه المسجد الأقصى وقبة الصخرة من إجراءات تكاد تطوح بهما إلى الدمار, كل ذلك أضحى الآن لا فائدة فيه، لقد كنا فيما مضى نتمترس خلف عواطفنا تجاه القدس ومقدساتها، بسبب أنها مدينة مقدسة، وقد نشعر بالغضب العاصف إزاء ما يجري ثم تهدأ النفوس وتنسى ما جرى.
وكأن الأمر قد اعتدل حاله واستقام اعوجاجه، مع العلم بأن الأمر قد يكون مضى في مسار أسوأ وأخطر، لأننا نكون قد انشغلنا بمصيبة أخرى جديدة قد حلت، وهذه سياسة إسرائيلية أثبتت فاعليتها مع عواطفنا السريعة النسيان على مدار العقود الماضية وخاصة بعد انتفاضة عام 1987 وانتفاضة الأقصى عام 2000.
إن واقع الفعل الذي مارسناه في دعم المدينة بقي حبيس هذه العواطف من الحب والخوف والخشية على المدينة وقد يتعداه إلى الرفض والكراهية للجانب الآخر، ولكن العواطف الحبيسة التي لا تتحول إلى فعل مادي يناسب حجم هذا الحب تصبح عواطف ميتة أو على الأقل بليدة لا تساوي التسمية التي تطلق عليها، قد تضر أكثر مما تفيد في مثل هذه المواقف، إن العاطفة الطبيعية الصحية تحتاج إلى فعل يعادلها ويساويها في القوة والشدة، وإلا تحولت إلى عاطفة سلبية ضارة، تؤدي إلى تزيين عدم الفعل وإقناع الذات بأن صاحبها قد قام بالواجب الذي ينبغي القيام به.
إن هذا الإشباع العاطفي في دعم قضية تعاني من ممارسات واقعية بشعة، نوع من خداع الذات ودفن الرؤوس في الرمال على ما يجري لهذا المدينة المقدسة التي تمثل في حدها الأدنى قضية إنسانية حيث يُطرد سكانها الأصليون منها بكل قبح وظلم، ناهيك عن مكانتها المقدسة التي تصل حد الدخول في العقيدة الإسلامية ذاتها، فقد كانت القبلة الأولى للمسلمين وعلى رأسهم الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) مدة ستة عشر شهرا، وكانت محط إسراء الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومعراجه إلى السموات، ولا يزال المسجد الأقصى ثالث المساجد المقدسة في الإسلام التي تُشد الرحال إليها بأمر من الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، والصلاة فيه بخمسمائة صلاة، فهل يستقيم إيمان مؤمن وهو يرى ما يجري للمسجد الأقصى والمدينة التي تضمه ولا يفعل شيئًا يبرئ ذمته أمام الله تعالى؟
وعلى النقيض من العواطف الانفعالية الساذجة في تقديم الدعم لمدينة القدس يتبدى التراجع المهين في القيام بالواجب المادي تجاه المدينة المقدسة ومقدساتها، فالدعم بكل مستوياته للمدينة لا يعادل واحدًا في المائة مما يقدمه أثرياء اليهود ومؤسساتهم وجمعياتهم، الأمر الذي له أكبر الأثر في الحث والإسراع في تهويد المدينة، فالمؤسسات العربية ضعيفة وعاجزة ولا تقوم بواجبها الذي أعلنت عنه إلا ما رحم الله.
وهذه موازين غريبة، إذ كيف نبخل نحن أمام حقوقنا المستباحة المقدسة، ويغدق اليهود الأموال الطائلة بلا حدود لتعزيز أباطيلهم التي يصرون عليها، فنحن نسمع بين الفينة والأخرى عن ثري يهودي من أستراليا أو أميركا قد تبرع بما يزيد على مائة مليون دولار من أجل تهويد المدينة، وربما لا يكون قد زارها أو رآها أو عرف عنها أكثر من الصورة التي روجوها لها، ولكنه الالتزام بالمبدأ الذي شرعوه لأنفسهم وتفانوا في تطبيقه...

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 33 - 19 10/19/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 31 - 18 10/18/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 28 - 17 10/17/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 23 - 17 10/16/2017 - 10:01
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 25 - 17 10/15/2017 - 10:00