"التزام المذهب عصمة لدينك"

الشيخ الدكتور مشهور فوازبيّنت الحلقة السابقة أنّ الأصل في المسلم التزام واتباع مذهب، ولا يسوّغ له الخروج عنه إلاّ لدى الحاجة والحرج بشروط سيتمّ بيانها فيما يلي بإذنه تعالى، قال ابن حجر في التحفة: (3\256): "وإذا زادت المشقة في التزام مذهبنا فلا عيب على المتخلص بتقليد مذهب آخر".

وفي هذه الحلقة نبيّن ماهية هذه الشروط ونشرحها للقارئ لأنّها في حاجة إلى توضيح وتبسيط:

الشرط الأول: ألاّ يتتبع الرخص وألاّ ينتقل بالتشهي:
أي ألاّ يتتبع رخص المذاهب بحيث يخرجه عن عقدة التكليف، ومثال ذلك: أن يضيق عليه وقت الصلاة ولا يجد ماء ولا ترابا ولكنّه وجد صخرًا، فيأخذ بقول الشافعية بعدم جواز التيمم على الصخر، لأنّه لدى الشافعية لا يُتيمم إلاّ على التراب، وبذلك يسقط عنه التيمم إلاّ أنّه يلزمه قضاء الصلاة في المذهب الشافعي، وأخذ بقول المالكية بعدم وجوب قضاء الصلاة رغم أنّهم يجوّزون التيمم على الصخر عند فقد الماء، أي أنه يجب عليه الصلاة في هذه الحالة بمقتضى المذهب المالكي!!

فانظر إلى هذا الترخص الممقوت، أخذ بقول الشافعية بعدم التيمم على التراب، وأخذ بقول المالكية بعدم قضاء الصلاة عند فقد الطهورين، رغم أنّ المالكية يجوّزون التيمم على صخر ويوجبون الصلاة، أضف إلى ذلك أنّ الشافعية يوجبون قضاء الصلاة في حالة فقد الماء والتراب.

الشرط الثاني: ألاّ يلفق صورة باطلة على المذهبين.
وذلك بأن يأخذ من مذهب ما بجزئية ما ومن مذهب آخر بجزئية أخرى، بحيث يخرج بقول لا يستقر على مذهب بعينه. ومثال ذلك: أن يمسح بعض رأسه (أقل من ربع الرأس) ويلمس زوجته ثمّ يصلّي: فالقائلون بجواز مسح بعض الرأس بأقل من الربع، وهم الشافعية، يقولون بنقض الوضوء بلمس الزوجة بغير حائل، والقائلون بعدم نقض الوضوء بلمس الزوجة، وهم الحنفية والمالكية والحنابلة، على تفصيل بينهم، لا يجوزون الوضوء إذا كان مسح الرأس أقل من الربع، وبذلك أصبحت صلاته لا تستقر على مذهب بعينه.

ومن ذلك مثلا لو مسح أقل من ربع الرأس ومس فرجه بدون حائل أو فرج طفل صغير ثمّ صلّى، تقليدًا للشافعية في مسح الرأس وتقليدًا للحنفية في عدم نقض الوضوء بمس الفرج، فعند الشافعية صلاته باطلة لأنّ مس الفرج بدون حائل ناقض للوضوء، وصلاته بمقتضى المذهب الحنفي باطلة لأنّهم يشترطون مسح ربع الرأس على الأقل.

ومثال ذلك أن يأخذ بقول المالكية بجواز الجمع عند توقع نزول المطر، وبقول الشافعية بجواز الجمع بين الظهر والعصر، حيث أنّ المالكية والجمهور لا يجوزون الجمع بين الظهر والعصر والشافعية يجوزون ذلك بشرط نزول المطر لا توقعه.

الشرط الثالث: ألا يكون قد عمل بالمذهب الأول في تلك المسألة.
ومثال ذلك لو طلق امرأته مكرها فأفتاه حنفي بوقوع الطلاق، فنكح أختها بعد انقضاء عدتها مقلدا أبا حنيفة بوقوع طلاق المكره، ثمّ أفتاه شافعي بعدم الوقوع وبقاء النكاح، لأنّ طلاق المكره في المذهب الشافعي لا يقع، فإنّه يمتنع عليه في هذه الحالة أن يطأ –يجامع– الأولى تقليدا للشافعي، لأنّه لا يجوّز الجمع بين الأختين.

الشرط الرابع: أن يكون القول الذي انتقل إليه ممّا لا ينقض فيه حكم القاضي.
أي ألاّ يكون القول المقلّد ممّا يخالفه قضاء القاضي لو قضى بمثله، وقد ضرب الفقهاء قديمًا أمثلة منها: اعتبار الطلاق ثلاثا بمجلس واحد طلقة واحدة رجعية، مع الأخذ بالاعتبار أنّه في أيامنا المعمول به قضائيا بأنّها طلقة واحدة.

الشرط الخامس: معرفة المقلّد شروط المذهب الذي يقلّده في المسألة التي قلّده فيها:
فمثلا لو قلّد شافعي المذهب المالكي بعدم نقض الوضوء بلمس المرأة بلا شهوة، فإنّه لا بدّ من معرفة شروط المذهب المالكي في الوضوء وأركانه وواجباته كمسح كل الرأس والتدليك والموالاة ليأتي بها في وضوئه، ثمّ يقلّده في عدم النقض.

وفي هذا المقام أودّ أن أتقدم بنصيحة إلى كل الذين يقلّدون مذهب المالكية بجواز الجمع دون مسافة القصر بأنّه لا بدّ من الأخذ بالاعتبار شروط المالكية في الجمع في هذه الحالة، ولا تأخذوا قول المذهب مبتورًا، فالمالكية الذين يقولون بجواز الجمع فيما دون مسافة القصر يشترطون لذلك شروطا لا تكاد تكون متحققة في حياتنا اليومية، وهي: أن تزول عليه الشمس أي يدخل وقت الظهر –إن أراد الجمع بين الظهر والعصر– في المكان الذي نزل فيه، وأن ينوي الارتحال -الخروج من هذا المكان- إلى مكان آخر قبل دخول وقت العصر، وأن يصل إليه بعد غروب الشمس أو بعد الإصفرار وقبل الغروب، وكذلك بالنسبة إلى المغرب والعشاء لا بدّ أن يدخل وقت المغرب في المكان الذي نزل فيه للراحة، وأن ينوي الارتحال منه إلى مكان آخر قبل دخول وقت العشاء وأن يصل إليه عند الفجر (الموسوعة الفقهية – 15 ص284 -285).

وما اشترطه فقهاء المالكية يكاد يكون معدوما نظرا لسرعة التنقل ويسر المواصلات، فإنّ من جمع في مدينة تبعد عنه 30 كيلومترا مثلا سيصل إلى بلدته قطعا قبل غروب الشمس خصوصا وأنّهم يشترطون عليك أن تنوي الارتحال قبل دخول العصر.

وبناء على ذلك لا يجوز الأخذ بقول المالكية دون تحقق ما اشترطوه للجمع، فليحذر النّاس من ذلك، ولكن قد يرخص الجمع في المسافة القصيرة للحاجة والضرورة، كأن يخشى الشخص فوات وقت الصلاة الثانية ولا يمكنه أداؤها أو يشق عليه ذلك في وقتها المشروع وهذا مذهب ابن تيمية.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"والقصر سببه السفر خاصة، لا يجوز في غير السفر، وأما الجمع فسببه الحاجة والعذر، فإذا احتاج إليه جمع في السفر القصير والطويل وكذلك الجمع للمطر ونحوه وللمرض ونحوه ولغير ذلك من الأسباب، فإن المقصود به رفع الحرج عن الأمة". مجموع الفتاوى "(22 / 293) طبعة مجمع الملك فهد.

الشرط السادس: ألاّ يكون التقليد بعد الوقوع:
بمعنى أنّ من أدّى عبادة مختلفا في صحتها من غير تقليد للقائل بها لزمه إعادتها، لأنّ إقدامه على فعلها من قبيل العبث، ومثال ذلك: شخص خرج من جسده دم وصلّى وهو ذاكر لخروج الدم من جسده، وهو لا يعلم المذهب الذي يقول بعدم نقض الوضوء بخروج الدم من الجسد، ثمّ بعد الصلاة اكتشف أنّ مذهب الشافعية يقول بعدم نقض الوضوء بخروج الدم من الجسد، فإنّه يلزمه الإعادة، لأنّه لا بدّ من التقليد قبل الفعل لا بعده، ويستثنى من ذلك من كان جاهلا بمذهبه ومعذورا بجهله، فله التقليد عند أبي حنيفة.

ويشتدّ الأمر إذا كان المفتي يفتي بقول ما وهو لا يعلم المذهب الذي يفتي به، ثمّ بعد ذلك يكتشف أنّ لقوله غطاء في المذهب الشافعي أو الحنفي أو المالكي أو الحنبلي، وقد شاع هذا الأمر من قبل بعض مدعي العلم ممّن يتحرج أن يقول لا أدري أو أريد أن أراجع المسألة أو أفحصها أو أتأكد منها – لا أكثر الله في الأمة من أمثالهم.

وشرط بعضهم ألاّ يخرج عن المذاهب الأربعة (انظر: التمذهب، لليافعي، 196).

ولعلّنا في اللقاء القادم نتحدث عن حكم الخروج عن المذاهب الأربعة وشروطه وضوابطه.

فائدة:
وصل إلينا بعض الاستفسارات من أحد الإخوة، حيث يقول: أليس الشافعي يقول: "إن صح الحديث فهو مذهبي واضربوا بقولي عرض الحائط"، إذن؛ لماذا تلزمنا بقول الشافعي وهو يقول بأنّ قولي ليس ملزما وإنّما اتبع الحديث ولا تتبعني؟

الأخ الحبيب: إنّ قول سيدنا الإمام الشافعي رضي الله عنه "إذا صح الحديث فهو مذهبي واضربوا بقولي عرض الحائط" معناه: إذا كنت مترددا في حكم ولم أجزم به، وصح الحديث عندكم بهذا فخذوا بالحديث، ومثال ذلك كتردد الشافعي في وقت المغرب؛ هل يبقى إلى وقت العشاء أم لا؟ صح الحديث عند أصحابه بأنّه باق إلى مغيب الشفق، وليس معناه كما يفهمه بعض القاصرين أنّه "كلما صح حديث فهو مذهبي" لأنّ كثيرا من الأحاديث صح ولم يأخذ به رضي الله عنه لموجب اقتضى ذلك، كتخصيص أو علم بناسخ، ثمّ إنّ هذا الخطاب موجه إلى أهل الدليل في المذهب وهم أهل الاجتهاد والاستنباط، ممّن يعزّ وجوده في أيامنا، وليس لأشباه طلبة العلم أمثالنا!!

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 33 - 19 10/19/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 31 - 18 10/18/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 28 - 17 10/17/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 23 - 17 10/16/2017 - 10:01
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 25 - 17 10/15/2017 - 10:00