"التمذهب محمود والتعصب مذموم"

يظنّ البعض أنّ التزام المرء بمذهب معيّن يأخذ برخصه وعزائمه من التعصب الممقوت، وهذا خلط بين التمذهب والتعصب، حيث أنّه لا تلازم بين التمذهب وبين التعصب بمعناه المذموم.

قال ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" ( 20 \ 292 ): "فمن ترجح عنده تقليد الشافعي لم ينكر على من ترجح عنده تقليد مالك، ومن ترجح عنده تقليد أحمد لم ينكر من ترجح عنده تقليد الشافعي ونحو ذلك".

وقال ابن عابدين في العقود الدّرية: ( 2 \ 333 ): "قال فخر الإسلام لمّا سئل عن التعصب: الصلابة في المذهب واجبة، والتعصب لا يجوز، والصلابة أن يعمل بما هو مذهبه ويراه حقّا وصواباً، والتعصب السفاهة، والجفاء في صاحب المذهب الآخر وما يرجع إلى نقصه، ولا يجوز ذلك. فإنّ أئمة المسلمين كانوا في طلب الحق وهم على الصواب \ جواهر الفتاوى".
وقال ابن تيمية - رحمه الله تعالى – في موضع آخر ( 27\300 ): "لو كان أحدهم عارفاً بمذهبه لم يكن له أن يُلزم علماء المسلمين بمذهبه، ولا يقول: يجب عليكم أنّكم تفتون بمذهبي أنّه أي مذهب خالف مذهبي كان باطلا، من غير استدلال على مذهبه بالكتاب والسنة. ولو قال: من خالف مذهبي فقوله مردود ويجب منع المفتي به وحبسه، لكان مردودا عليه وكان مستحقا العقوبة على ذلك بالإجماع، فكيف إذا كان الذي حكم به ليس هو مذهب أحد من الأئمة الأربعة؟".

ونحن لا ننكر أنّه قد حصل في بعض مراحل التاريخ بين بعض المنتسبين إلى المذاهب تعصب مذموم حتى وصل إلى حدّ التكفير، مّا أدّى إلى تسلط الأعداء على الأمة ، وظهور الفتن والخلافات والانشقاقات.
قال ابن تيمية: "وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله التتر عليها كثرة التفرق والفتن في المذاهب وغيرها، حتى تجد المنتسب إلى الشافعي يتعصب لمذهبه على مذهب أبي حنيفة حتى يخرجه عن الدّين ، والمنتسب إلى أبي حنيفة يتعصب لمذهبه على مذهب الشافعي وغيره حتى يخرجه عن الدّين، والمنتسب إلى أحمد يتعصب لمذهب هذا وهذا، وفي المغرب تجد المنتسب إلى مالك يتعصب لمذهبه على مذهب هذا أو هذا، وكل هذا من التفرق والاختلاف الذي نهى الله ورسوله عنه، وكلّ هؤلاء المتعصبين بالباطل، المتبعين الظّنّ وما تهوى الأنفس، المتبعين لأهوائهم بغير هدى من الله مستحقون للذم والعقاب، وهذا باب واسع لا تحتمل هذه الفتيا لبسطه، فإنّ الاعتصام بالجماعة والائتلاف من أصول الدّين، والفرع المتنازع فيه من الفروع الخفية، فكيف يقدح في الأصل بحفظ الفرع).
إلاّ أنّ هذا التعصب الذي حصل في بعض مراحل التاريخ سواء بين الفقهاء والمحدّثين من جهة أو بين المذاهب من جهة أخرى هو شاّذ ونادر أمام ما نجده من الاحترام والإجلال والتوافق بين أهل الفقه والحديث وبين أصحاب المذاهب على مر العصور، وهذا لا يشك فيه مطلع عاقل ومنصف، والقاعدة في هذا الباب هي: "تمذهب ولا تتعصب".
فشتّان بين التمذهب والتعصب. فالتعصب انتقاص للمذهب الآخر وقدح فيه وطعن وإلغاء له، بينما التمذهب التزام مذهب معيّن مع احترام المذهب الآخر وعدم الإنكار عليه التزاما بالقاعدة الفقهية: "لا إنكار في محل الاختلاف".
التمذهب يجمع ويقرّب والتعصب يفرّق ويبعّد، والتمذهب يحقق الوحدة الشعائرية في العبادات، والتعصب ينشر الضغينة والحقد والكراهية والفرقة والخلاف.
وعطفا على مقال فضيلة الشيخ رائد صلاح في العدد السابق – سر البركة في تركيا – أودّ أن أضيف سراً آخر من أسرار هذه البركة وهذا النظام ألا وهو التزام المذهب الحنفي الذي تلمس آثاره في المساجد بين علمائهم وعوامهم، وهو سر الحفاظ على هويتهم وانتمائهم من الذوبان في ظل النظام العلماني، حيث أنّك إذا تجولت في جميع مساجد تركيا تجد شعائرهم واحدة وهيئات صلاتهم واحده، لا تجد من ينكر على الإمام عدم الجهر في البسملة أو عدم تحريك الإصبع في التشهد، أو الأذكار بعد الصلاة أو عدم الجمع بسبب المطر ، على عكس حال مساجدنا تماما، حيث تجد الخلاف قائما في كثير من المساجد بين الإمام وبعض المأمومين حول القنوت أو الجهر بالبسملة أو المصافحة بعد الصلاة أو الجمع وعدمه ونحو ذلك من المآسي التي حصدتها أيدينا جراء عدم التمذهب.
وأذكر أنّني التقيت أحد علماء الأتراك يوما وسألته سؤالا استفزازيا: هل تخرج عن المذهب الحنفي؟ فأجاب بنبرة حادة تدلّ على صدق تمسكه بمذهبه ومدرسته: ولماذا؟ فقلت: لحاجة أو ضرورة، فقال: أعطني مثالا. فقلت: أرأيت لو أنّك في صحراء منقطعة وجرحت ونزف منك دم، وليس معك ماء أو معك ماء قليل، ألا تصلي بدون أن تتوضأ تقليدا للشافعية، فقال: لا، إنّني التزم بمخارج ورخص مذهبي وأتيمم في هذه الحالة ، وذلك على اعتبار أنّ خروج الدم من الجسد ينقض الوضوء عند الحنفية خلافا للشافعية.

فبحثت عن مسألة أخرى لأحرجه، فقلت له: أرأيت لو أنّك مسافر ودخل وقت الظهر وبعد ذلك ستركب الطائرة ولن تهبط بك إلاّ بعد خروج وقت العصر، ألا تترخص برخصة الجمهور في الجمع، على اعتبار أنّ المذهب الحنفي لا يجيز الجمع إلاّ في مزدلفة وعرفة، فقال: لا، إنّ مذهبي يسمح لي أن أصلي قاعدا في الطائرة حيثما توجهت في هذه الحالة.

فأكننت له في نفسي إكبارا وإجلالا على صدق تمسكه في المذهب، وأيقنت أنّ مثل هذا الشخص الذي لا يسمح لنفسه بالخروج عن المذهب رغم وجود رخصة وفسحة بالمذاهب الأخرى أنّه لن تثنيه الفتن ولا الأهواء ولن تستهويه النفس ولن يقع في براثن شهواتها بإذن الله تعالى، بينما المترخص الذي يبحث عن رخصة يسقط فيها فرضا أو واجبا عن كاهله أو يبحث عن رخصة يشبع فيها نشوته تحت لحاف وغطاء السعة والتيسير غير المبررين، فإنّه ما أسهل بأن تعصف به الأهواء والفتن وحظوظ النفس وشهواتها! وما أسهل أن يتخلى عن أسس وقواعد ومبادئ وثوابت إذا ما اشتدّ عليه الخناق وضاق!!

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 24 - 10 12/12/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 22 - 11 12/11/2017 - 10:01
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 19 - 9 12/10/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 18 - 7 12/09/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 16 - 6 12/08/2017 - 10:01