بريطانيا التي نعرفها

هذه هي بريطانيا التي نعرفها، ونعرف تاريخها الحافل بالمخازي والصفحات السوداء، في كل عصورها القديمة والحديثة. ولهذا لم يكن لدينا شك للحظة واحدة أن أكذوبة الديمقراطية والحرية سوف تنكشف عندما تقف أمام تجربة حقيقية.

ولذلك أيضا لم نُصَبْ بالدهشة من إقدام عملاء الحركة الصهيونية الذين يحكمون بريطانيا على اعتقال الشيخ رائد صلاح بتلك الصورة الهمجية. لم نندهش لأننا لم نصدّق يوما أن في بلاد الضباب حرية وديمقراطية وحقوق إنسان ولا ما يحزنون. وأنصح كل من يرثي "ديمقراطية" إمبراطورية الاستعمار أن يراجع حساباته. فإن الحديث عن هذه المصطلحات الممجوجة، لا طعم له ولا لون ولا رائحة.

ولأننا نعرف خفايا اللعبة القذرة، ونفهم جيدا على أي شيء تقوم سياسات دول العالم الغربي فيما يتعلق بمنطقتنا بالذات، ونرى ببصيرتنا قبل أبصارنا إلى أين تتجه بوصلة العواصم الغربية، فإننا كنا نتوقع الاعتقال. وقد أدرك الشيخ هذه الحقيقة، ولهذا استدرك قبل سفره بأسبوع وأعلن أنه سوف يقاضي من يتهمونه بما يسمى "معاداة السامية" (أي معاداة اليهود!!)، وذلك من خلال حملة إعلامية استبقت زيارته المعلنة مسبقا، نظمتها منظمات يهودية بريطانية، بإيعاز من المؤسسة الإسرائيلية وبمدد منها، وبدعم من أطراف يمينية متطرفة في لندن.

أما فيما يتعلق بكذبة وزيرة داخلية بريطانيا، فإنها كانت مفضوحة من اللحظة الأولى. فقد زعمت أنه كان هناك أمر بمنع الشيخ من دخول الأراضي البريطانية، فكيف دخل وبأية طريقة؟ هي نفس الأسئلة التي سألتها وسائل الإعلام الإسرائيلية نيابة عن حكومة "بنيامين نتنياهو". فما أعجب "توارد الخواطر" هذا بين تل أبيب وبين كل عاصمة من عواصم النفاق، كلما تكرر هذا المشهد؟

الشيخ رائد دخل بريطانيا مثل أي مسافر عادي، بسهولة وببساطة، بجواز سفر قانوني، وقد سبق وزارها مرات عديدة في الماضي، ذلك أنه في الحقيقة لم يكن هناك أمر منع، ولم يُبلَّغ الشيخ رائد بشيء من هذا أو حتى ما يلمِّح إليه. وظنّي أن وزيرة الداخلية البريطانية هي الآن في ورطة ربما تدفع ثمنها لاحقا.

أما الاعتقال فالهدف منه إبعاد الشيخ عن بريطانيا عشر سنوات قادمة (بحسب القانون البريطاني)، حتى لا تصل كلمته التي هي كلمة الشعب الفلسطيني، والتي تفضح جرائم الاحتلال على كل الأصعدة، إلى الشعوب الأوروبية التي ضللتها الصهيونية وسفـّتها أكاذيب على مدار ستة عقود. غير أن الذين دبروا وخططوا لم يحسبوا حساب أن الشيخ رائد كالصخرة، لا يلين ولا يتراجع ولا يتنازل عن مواصلة فضح الوجوه القبيحة... من الاحتلال إلى وزارة الداخلية البريطانية.

أيلول آخر
إن من تتبع تحركات المؤسسة الإسرائيلية بكل أذرعها السياسية والأمنية والإعلامية في الأشهر الأخيرة، وعلى وجه التحديد في الشهر الأخير، يلاحظ أنها تدبر لشيء ما كبير. وقد جاء التمرين الأكبر في تاريخ هذه المؤسسة مؤخرا، ثم الإعلان قبل أيام أن الأجهزة الأمنية تستعد لمواجهة أحداث متوقعة في أيلول القادم على عدة جبهات، في الضفة والقدس والداخل الفلسطيني، جاء ليؤكد أن هناك أمرا خطيرا يتوقع حدوثه. والأمر ليس متعلقا بتوجه سلطة رام الله إلى الأمم المتحدة في أيلول للحصول على اعتراف بدولة على الورق. إذ ليس مثل المؤسسة الإسرائيلية من يعرف أن الاعتراف –لو حصل– فلن يكون له أي وزن طالما أن الاحتلال يسيطر على كل شيء، حتى على خروج عباس إلى نيويورك للحصول على الاعتراف! فما حقيقة الأمر إذن؟

إن الاستعدادات الأمنية التي يجري الحديث عنها الآن ليس لها علاقة بإعلان الدولة الفلسطينية، بل بما يدبره الاحتلال للمسجد الأقصى المبارك، بدءًا من هدم جسر باب المغاربة، مستغلا انشغال الرأي العام ووسائل الإعلام بما يحدث في أروقة الأمم المتحدة.

ولقد تناقلت وسائل الإعلام العبرية طوال الأسبوع معلومات عن تأجيل هدم الجسر إلى أيلول، على اعتبار أن هذا التوقيت مريح أكثر وربما تكون تكلفته أقل، وربما تمر الجريمة دون صداع كبير. ومع ذلك لا تترك المؤسسة الإسرائيلية مجالا للمفاجآت، لأنها تعرف أن هناك من لا يهمهم ما سيحدث في الأمم المتحدة، في أيلول وفي غير أيلول، لأنّ همّهم كله موجه إلى القضية الأكبر في كل لحظة وعلى مدار الساعة. ولأنها تعرف ذلك فهي تستعد لسيناريوهات يكون للأجهزة الأمنية الإسرائيلية فيها دور أساس، بخاصة وأنها –أي المؤسسة الإسرائيلية– تعرف جيدا أن المساس بالمسجد الأقصى من شأنه أن يشعل نارا لا تنطفئ. ولهذا يجري الحديث عن الداخل الفلسطيني وعن الضفة الغربية وعن القدس بشكل خاص، كعناوين لإجراءات أمنية خاصة!!

فهل نشهد أيلولا أشد دموية من أي أيلول حوّله الاحتلال إلى أنهار من الدماء؟!

أسطول الحرية
لم تألُ المؤسسة الإسرائيلية جهدا سياسيًّا ودبلوماسيًّا واستخباراتيًّا وإعلاميًّا في محاولة لمنع إبحار أسطول الحرية الثاني لكسر الحصار عن غزة. ومنذ اللحظة الأولى من الإعلان عن موعد خروج الأسطول بدأت تل أبيب تعمل بكل وسيلة على منعه، ولما فشلت مساعيها الدبلوماسية وضغوطها على أطراف ودول وحكومات، راحت تروج لكذبة مفضوحة حول استعداد المشاركين في الأسطول لقتل جنود إسرائيليين، ولما انكشفت كذبتها سعت إلى تخريب السفن بهدف إعاقة إبحارها، كما يقول المسؤولون عن الأسطول. كل هذا يؤكد أمرين أساسيين؛ الأول أن الأسطول له تأثير كبير، إلى درجة أن دولا عديدة حاولت منعه، والثاني أن المؤسسة الإسرائيلية لم تستوعب الدرس من الأسطول الأول، وقد تقدم على ارتكاب حماقة أكبر هذه المرة.

• رئيس تحرير صحيفة صوت الحق والحرية

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 27 - 21 09/15/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 29 - 20 09/14/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 30 - 21 09/13/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 29 - 21 09/12/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 31 - 21 09/11/2019 - 11:00