"لا تأخذ الفتوى من الآية أو الحديث بلا رجوع إلى كتب الفقه المعتمدة"

د. مشهور فواز

يبني كثيرون من النّاس على وجه العموم وطلبة العلم على وجه الخصوص, أحكاماً وتصرفات شرعية بناءً على آية أو حديث قرأوه . وقد يجتهد بعضهم فيرجع إلى تفسير الآية في كتب التفسير وإلى شرح الحديث في كتب الشروح ، وهذه منهجية خاطئة في طلب العلم قد يترتّب عليها زيغ وزلل من حيث لا يدري ..

جاء في " الفصول في الأصول " ( 4 \ 273 ) للإمام الجصاص رحمه الله تعالى : " شرطنا مع الحفظ للأصول والمعرفة بها : أن يكون عالماً بطريق المقاييس والاجتهاد ، لأنً حفظ الأصول لا يغني في معرفة حكم الحادثة إذا لم يكن صاحبها عالماً بكيفية وجوب ردّها إلى أصولها وإلى الأشبه بها . ألا ترى أنّ قرّاء وحفّاظ الأخبار لا يغنيهم ما حفظوه في معرفة حكم الحادثة وردّها إلى أصولها ، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم : " نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثمّ أدّاها إلى من لم يسمعها ، فربّ حامل فقه غير فقيه ، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه " أ.هـ .

وقال ابن القيّم في " إعلام الموقعين " ( 1 \ 36 ) : " وقال محمّد بن عبد الله بن المنادي : سمعت رجلا ً يسأل أحمد : إذا حفظ الرّجل مائة ألف حديث يكون فقيهاً ؟ قال : لا ، قال : فمائتي ألف ؟ قال : لا ، قال : فثلاث مائة ألف ؟ قال : لا ، قال : فأربع مائة ألف ، قال بيده هكذا ، وحرّك يده " .

لماذا يحظر استنباط الأحكام الفقهية من الآيات والأحاديث دون الرجوع إلى الكتب الفقهية المعتمدة :

أولا : لأنّه لا يملك أحد حق الاستنباط من النصوص الشرعية إلاّ المجتهد المطلق المستقل كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم أجمعين ، وهذه مرتبة قد أغلق بابها منذ زمن غابر بالإجماع ، أو المجتهد المطلق غير المستقل – ويسمّى المجتهد المنتسب – كالمزني وأبي يوسف ومحمّد بن الحسن ,وهذه مرتبة قد أغلق بابها عند جمهور الأصوليين .

قال الزركشي في البحر المحيط نقلا عن الرافعي : ( 8 \ 240 ) : " الخلق كالمتفقين على أنّه لا مجتهد اليوم " .

ونقل ابن النجار في" شرح الكوكب المنير " ص625 ، نقلا عن ابن حمدان في آداب المفتي : " ومن زمن طويل عدم المجتهد المطلق ...، وقال النووي في شرح المهذّب : فقد الآن المجتهد المطلق ومن دهر طويل .." .

وقال الدهلوي في الإنصاف ( 53 ) : " وانقرض المجتهد المطلق المنتسب في مذهب الإمام أبي حنيفة بعد المائة الثالثة " .
قال الشيخ محمّد الحامد في كتابه : " لزوم اتباع مذاهب الأئمة حسماً للفوضى الدّينية " ص 9 : " والذي علينا علمه والعمل به هو ما قرره فقهاؤنا رحمهم الله تعالى من أنّ الاجتهاد المطلق في الأحكام ممنوع بعد أن مضت 400 سنة من الهجرة ، وليس هذا حجراً على فضل الله تعالى أن يمنحه ناساً من متأخري هذه الأمة ، مثل ما منح ناساً من متقدميها ، كلا فإنّه لا حجر على فضل ربّنا سبحانه ، ولكن لئلا يدّعي الاجتهاد من ليس من أهله فنقع في فوضى دينية واسعة كالتي وقعت في الأمم قبلنا ، من ذلك رأى العلماء الأتقياء إقفال هذا الباب إشفاقا على هذه الأمة أن تقع في الخلط والخبط باتباعها أدعياء الاجتهاد الذّين ليس لهم مؤهلات المجتهدين " .
فمستنبطو الفروع هم خيار السلف من المجتهدين الذّين أفنوا أعمارهم في الاستنباط والتحقيق وتمييز صحيح الأحاديث وسقيمها وناسخها ومنسوخها وتأصيل الأصول وتمهيد الفروع ، وقد عزّ وجودهم في هذا الزمان .

ثانيا : لأنّ كتب التفسير والحديث ليست كتبا متخصصة في الفقه,لذا فهي لا تذكر في الغالب قيود وشروط وضوابط المسألة واستثناءاتها .

ثالثا : لأنّ ما تضمنته هذه الكتب – أي كتب التفسير والحديث – من شرح وتفسير قد تعبّر عن رأي واختيار الشارح نفسه ولا يمثّل رأي مذهبه ، ومعلوم أنّه لا يجوز تقليد قول في مذهب ليس عليه مدار الفتوى .

رابعا : لأنّه ليست كلّ آية وليس كلّ حديث يعمل به ، فالآية قد تكون عامة وجاء ما يخصصها أو يقيّدها ,بل وقد تكون منسوخة أصلا ، وكذلك الحديث قد يكون عاما وجاء ما يخصّصه أو يقيّده أو ما ينسخه ويلغي العمل به .

روى ابن عساكر عن ابن وهب : " لولا مالك بن أنس والليث بن سعد لهلكت ، كنت أظنّ أنّ كلّ ما جاء عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم يفعل به " . ونُقِلَ رضي الله عنه في المدارك ( 1 \ 96 ) أنّه قال : " الحديث مضلّة إلاّ للفقهاء " .

جاء في الفتاوى الحديثية ( لابن حجر الهيتمي ، ص 283 ) بصدد شرح ما نُقِلَ عن ابن وهب : " الحديث مضلّة إلاّ للفقهاء " : " .. ومعناه أنّ الحديث كالقرآن في أنّه قد يكون عام اللفظ خاص المعنى وعكسه ، ومنه ناسخ ومنسوخ ومنه ما لم يصحبه عمل ، ومنه مشكل يقتضي ظاهره التشبيه ، كحديث "ينزل ربّنا .."الخ ، ولا يعرف معنى هذا إلاّ الفقهاء ، بخلاف من لا يعرف إلاّ مجرد الحديث فإنّه يضلّ فيه كما وقع لبعض متقدمي الحديث بل ومتأخريهم ..." .

وأذكر أنّني كنت مع بعضهم ذات يوم في مجلس ما ، ولمّا حضر وقت الصلاة وتجهزنا لها ، أراد من كنت بصحبتهم الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء ، فأنكرت ذلك عليهم لعدم توفّر شروط الجمع ، فأجابني أحصفهم : " لقد جمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بغير خوف ولا سفر " ,فأيقنت بقول ابن وهب رضي الله عنه أنّ الحديث مضلّة إلاّ للفقهاء ، وذلك لأنّ هذا الحديث أخرجه الترمذي في جامعه ، وقد ذكر في نهايته أنّ جميع ما في هذا الكتاب من أحاديث يعمل به عند أهل العلم إلاّ من حديثين : حديث جمع رسول الله من غير خوف ولا سفر ، وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة ؟!
قال النووي في شرحه لمسلم ( 5 \ 224-225 ) : تعليقا على روايات هذا الحديث : "وللعلماء فيها تأويلات ومذاهب .وقد قال الترمذي في آخر كتابه: ليس في كتابي حديث أجمعت الأمة على ترك العمل به إلا حديث بن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة .وهذا الذي قاله الترمذي في حديث شارب الخمر هو كما قاله, فهو حديث منسوخ دل الإجماع على نسخه .وأما حديث ابن عباس فلم يجمعوا على ترك العمل به ,بل لهم أقوال منهم من تأوله على أنه جمع بعذر المطر وهذا مشهور عن جماعة من الكبار المتقدمين وهو ضعيف بالرواية الأخرى من غير خوف ولا مطر, ومنهم من تأوله على أنه كان في غيم فصلى الظهر ثم انكشف الغيم وبان أن وقت العصر دخل فصلاها ,وهذا أيضا باطل لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر لا احتمال فيه في المغرب والعشاء .ومنهم من تأوله على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلاها فيه ,فلما فرغ منها دخلت الثانية فصلاها فصارت صلاته صورة جمع – أي جمع صوري - وهذا أيضا ضعيف أو باطل لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل .وفعل ابن عباس الذي ذكرناه حين خطب واستدلاله بالحديث لتصويب فعله وتصديق أبي هريرة له وعدم إنكاره صريح في رد هذا التأويل.ومنهم من قال:هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار ,وهذا قول أحمد بن حنبل والقاضي حسين من أصحابنا واختاره الخطابي والمتولي والروياني من أصحابنا وهو المختار" .

فانظر بربّك كم ضلّ من النّاس بسبب قراءة هذا الحديث وراويته دون الوقوف على فقهه من مظانّ كتب الفقه الأصلية ومصادره الأصيلة ، وكم يعتصر القلب ألماً لمّا أن يُسمع بعض أهل العلم يروي هذا الحديث في خطبة أو محاضرة أو مجلس ليدلّل على سعة ومرونة ويسر هذا الدّين بحديث لا يعمل به لدى المحققين من أهل العلم أو على الأقل لا يؤخذ به على ظاهره ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم !!

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 13 - 10 01/17/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 15 - 9 01/16/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 15 - 9 01/15/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 14 - 9 01/14/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 19 - 9 01/13/2018 - 10:00