"القرار بالعمل بالحديث الضعيف وتركه يعود إلى الفقهاء المجتهدين أولا وآخرا"

د. مشهور فواز

يظنّ البعض أنّ كل حديث ضعيف مردود ولا يُعمل به في الشريعة الإسلامية ولا تبنى عليه الأحكام، ممّا حدا بهم إلى ردّ أحكام متفق عليه بحجة أنّه لم يصح في الحديث مسألة، وليت شعري لست أدري هل عمي ذلك على المجتهدين من القرون الأولى الذين أجمعت الأمة على أنّهم جهابذة العلم وفحوله فضلا عن صدقهم وحسن طويتهم وسرائرهم!! فهل خفي على الشافعي وهو الفقيه لأصولي المحدّث النّحوي النحرير ضعف حديث قنوت الفجر مثلا ليأتي بعض طلبة العلم ويحكم ببدعته؟! وهل خفي على مجتهدي الحنفية ضعف حديث مسح الرقبة في الوضوء ليأتي بعضهم ويحكم ببدعتها وإنكارها؟! وهل خفي على مجتهدي الشافعية والحنابلة والمالكية وهم أئمة مدرسة الحديث ضعف حديث استحباب إحياء ليلتي العيد حتى يأتي من يتنكر لها ويحذّر منها؟! وهل خفي على مجتهدي الحنابلة ضعف حديث التسابيح ممّا حملهم على القول بمشروعيتها!!

إنّ ما سبق ذكره من الأمثلة والشواهد يؤكّد ما سبق ذكره في الحلقة السابقة، وهو كما أنّه لا ينبغي لأحد أن يبني حكما فقهيا بناءً على آية أو حديث قرأه إلاّ بعد الرجوع إلى كتب الفقه المعتمدة، فكذلك لا يحق لأحد أن يردّ أحكاما فقهية بحجة ضعف الأحاديث في المسألة حتى يقف على أقوال المذاهب الأربعة فيها، فإن اتفقت على ردّ تلك المسألة ردّها وإن اختلفت كلمة المذاهب فيها جاز له أن يقلّد ما شاء منها بناءً على الاعتبارات الشرعية التي وصلت إلى حدّ قناعته، ولكن دون إنكار على المخالف لأنّ القاعدة الفقهية الذّهبية تقرر في هذا الباب أن: "لا إنكار في محل الاختلاف".

ولا يتصوّر أحد خطورة ردّ الأحكام بدعوى ضعف الحديث وعدم ثبوته إلا من درس الفقه الإسلامي بعمق من مصادره الأصيلة وأمهات كتبه، وذلك لأنّ هنالك ثمة أحكام متفق على وجوبها أو حرمتها وشاهد المذاهب بذلك من السنة متكلّم فيه لدى المحدّثين، ومن ذلك مثلا حديث: "كل قرض جرّ نفعًا فهو ربا"، وحديث وجوب زكاة العروض التجارية، فهل يجرؤ أحد على القول بجواز الإقراض بشرط المنفعة بحجة ضعف الحديث؟ أم هل يعقل أن يقال بعدم وجوب زكاة العروض التجارية، كمحلات الأغذية التموينية والملابس ومواد البناء ومعارض السيارات، بدعوى عدم ثبوت نصً في المسألة؟.

إنّ القول بردّ العمل بالحديث الضعيف بمجرد الحكم بضعفه يترتب عليه إلغاء لكثير من الأحكام الفقهية المتفق عليها، كما سبق آنفًا، أو شبه المتفق عليها كحرمة قراءة الجنب والحائض للقرآن، لذا من الواجب المحتّم التزام أقوال الفقهاء في الحديث من حيث وجوب العمل به أو عدمه، ولا يكفي في ذلك الوقوف على أقوال المحدّثين في إسناده صحة أو ضعفًا.

وإليك أقوال الفقهاء في المسألة:

ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز العمل في الحديث الضعيف في فضائل الأعمال، بل قالوا بثبوت الاستحباب والكراهة بالحديث الضعيف في باب الأحكام من باب الاحتياط، بل إنّ العمل بالحديث الضعيف في الأحكام إذا لم يوجد في الباب غيره أو إذا تلقته الأمة بالقبول هو من صنيع الأئمة الأربعة، وعليه مضى الأئمة والفقهاء من المذاهب الأربعة وغيرهم.

نصوص العلماء في العمل في الحديث الضعيف في فضائل الأعمال:

أولا: جاء في المجموع، للنووي (3\226): "وقد قدّمنا اتفاق العلماء على العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال دون الحلال والحرام، وهذا نحو فضائل الأعمال" ، وقال رحمه الله تعالى في مقدمة المجموع (1\97): "... فأمّا الضعيف فلا يجوز الاحتجاج به في الأحكام والعقائد وتجوز روايته والعمل به في غير الأحكام كالقصص وفضائل الأعمال والترغيب والترهيب".

ثانيا: جاء في فتاوى الرملي (4\383): "حكى النووي في عدة من تصانيفه إجماع أهل الحديث على العمل بالحديث الضعيف في الفضائل ونحوها خاصة".
ثالثا: جاء في مواهب الجليل (1\17) وشرح الخرشي على خليل (1\23): "قلت وإن كان ضعيفا، فقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال".

رابعا: قال علي القاري في "الحظ الأوفر" كما في الأجوبة الفاضلة، للكنوي، ص36: "الحديث الضعيف معتبر في فضائل الأعمال عند جميع العلماء من أرباب الكمال".

وقال القاري في رسالته في الموضوعات كما في الأجوبة الفاضلة، للكنوي، ص36: "الضعيف يُعمل به في فضائل الأعمال اتفاقا".

خامسا: وفي فتاوى ابن حجر الهيتمي (2\54): "وقد تقرر أنّ الحديث الضعيف والمرسل والمنقطع والمعضل والموقوف يُعمل بها في فضائل الأعمال إجماعًا".

سادسا: وقال الحافظ العراقي في شرحه على ألفيته (2\291): " أمّا غير الموضوع فلا بأس في إسناده وروايته من غير بيان ضعفه، إذا كان في غير الأحكام والعقائد، بل في الترغيب والترهيب والمواعظ والقصص وفضائل ونحوها، أما إذا كان في الأحكام الشرعية من الحلال والحرام وغيرها، أو في العقائد كصفات الله تعالى وما يجوز ويستحيل عليه ونحو ذلك فلم يروا التساهل في ذلك وممّن نصّ على ذلك من الأئمة ابن مهدي وأحمد وابن المبارك وغيرهم".

سابعا: وقال اللكنوي في شرحه على مختصر الجرجاني، ص189: "وليعلم أنّ ممن نصّ على قبول الحديث الضعيف في فضائل الأعمال: أحمد بن حنبل وغيره، واختاره جمع عظيم من المحدّثين وصرّح ابن سيّد النّاس في "سيرته" وعلي القاري في "الحظ الأوفر" وفي كتاب "الموضوعات" والسخاوي في "المقامة السندسية" وفي رسالته "التعظيم والمنّة" وفي رسالته "طلوع الثريا" والسخاوي في "القول البديع" والعراقي في "ألفيته" والنووي في "الأذكار" وفي "التقريب" وشراح الألفية كالسخاوي وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري وغيرهما، والحافظ ابن حجر وابن الهمام في كتابه "تحرير الأصول" وفي "فتح القدير" وغيرهم ممّن تقدّم عليهم أو تأخر".

ثامنا: وقال الكمال ابن الهمام في "فتح القدير" (1\349): "فإن صح وإلاّ فالضعيف غير الموضوع يعمل به في فضائل الأعمال".

تاسعا: قال الإمام ابن تيمية: "ولهذا كانوا يسهلون في أسانيد أحاديث الترغيب والترهيب ما لا يسهلون في أسانيد أحاديث الأحكام لأنّ اعتقاد الوعيد يحمل النفوس على الترك..".

عاشرا: قال ابن مفلح في الآداب: "ينبغي الإشارة إلى ذكر العمل بالحديث الضعيف والذي قطع به غير واحد ممّن صنّف في علوم الحديث حكاية عن العلماء أنّه يعمل بالحديث الضعيف فيما ليس فيه تحليل ولا تحريم كالفضائل، وعن الإمام أحمد ما يوافق هذا".

نصوص العلماء في ثبوت الاستحباب والكراهة بالحديث الضعيف في باب الأحكام:

ذهب جمهور أهل العلم إضافة إلى قولهم بجواز العمل بالحديث الضعيف في الفضائل إلى القول بثبوت الاستحباب والكراهة بالحديث الضعيف في باب الأحكام من باب الاحتياط ، قال النووي في الأذكار، ص19: "قال العلماء من المحدّثين وغيرهم: يجوز ويستحبّ العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا، وأمّا الأحكام كالحلال والحرام والبيع والنّكاح والطلاق وغير ذلك فلا يعمل فيها إلاّ بالحديث الصحيح أو الحسن إلاّ أن يكون في احتياط في شيء من ذلك إذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة، فإنّ المستحبّ أن يتنزه عنه، ولكن لا يجب".
وقال ابن الهمام في فتح القدير: (2 \ 133): "والاستحباب يثبت بالضعيف غير الموضوع".

وقال السيوطي في تدريب الراوي: (1 \ 298): "ويعمل بالضعيف أيضًا في الأحكام إذا كان فيه احتياط".

وقال اللكنوي: في ظفر الأماني (197): "... والذي يظهر بعد التأمّل الصادق هو قبول الضعيف في ثبوت الاستحباب وجوازه، فإن دلّ حديث ضعيف على استحباب شيء أو جوازه، ولم يدلّ دليل آخر صحيح عليه، وليس هناك ما يعارضه أو يرجّح عليه، قُبِل ذلك الحديث، وجاز العمل بما أفاده، والقول باستحباب ما دلّ عليه أو جوازه، غاية ما في الباب أن يكون مثل هذا الاستحباب والجواز أدون رتبة من الاستحباب والجواز الثابت بالأحاديث الصحيحة الحسنة... وقس عليه إذا دلّ الحديث الضعيف على كراهة عمل لم يدلّ على استحبابه دليل آخر، فيؤخذ به ويعمل بمفاده احتياطا، فإنّ ترك المكروه مستحب وترك المباح لا بأس فيه شرعا....".

هذا وإنّ العمل بالحديث الضعيف في الأحكام إذا لم يوجد في الباب غيره أو إذا تلقته الأمة بالقبول هو من صنيع الأئمة الأربعة، وعليه مضى الأئمة والفقهاء من المذاهب الأربعة وغيرهم، وهو ما سنبيّنه بالتفصيل في اللقاء القادم إن شاء الله تعالى، ممّا يدلّ على ضرورة عرض الحديث على الفقهاء قبل ردّ العمل والأخذ به.

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 29 - 20 06/21/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 29 - 19 06/20/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 29 - 19 06/19/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 28 - 19 06/18/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 29 - 20 06/17/2018 - 10:00