قرار العمل بالحديث الضعيف وردّه إلى الفقهاء المجتهدين أولا وآخرًا (2)

د. مشهور فواز

بيّنتُ في الحلقة السابقة أنّ أهل العلماء متفقون على رواية الحديث الضعيف في فضائل الأعمال، وأنّ جمهور الفقهاء على العمل في الحديث الضعيف في الاستحباب والكراهة في الأحكام من باب الاحتياط ما لم يكن في إسناده متهم أوكذّاب أو من فحش غلطه شريطة ألاّ يقوم ما يعارضه أو يرجحه عليه من النصوص الصحيحة، وسنبيّن في هذه الحلقة أقوال الأئمة الأربعة حول العمل بالحديث الضعيف في باب الواجبات والمحرمات إذا لم يوجد في الباب غيره أو تلقته الأمة بالقبول، ما يؤكّد أنّه لا يملك أحد ردّ حكم فقهي بدعوى ضعف الحديث، وذلك لأنّ الذين بنوا على هذا الحديث حكمًا فقهيًا من الفقهاء المجتهدين هم أصحاب القرار والفصل بالعمل بالحديث أو ردّه وفق قواعد وأصول المذهب المستنبطة من الكتاب والسنة المطهرين.

أقوال الفقهاء في المسألة:
قال ابن القيّم رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين (1 \ 31): "وليس أحد من الأئمة إلاّ وهو موافقه -أي الإمام أحمد– على هذا الأصل من حيث الجملة، فإنّه ما منهم أحد إلاّ وقد قدّم الحديث الضعيف على القياس: فقدّم أبو حنيفة حديث القهقهة في الصلاة على محض القياس، وأجمع أهل الحديث على ضعفه، وقدّم حديث أكثر الحيض عشرة أيام وهو ضعيف باتفاقهم على محض القياس، وقدّم الشافعي خبر جواز الصلاة بمكة وقت النهي مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد... وأمّا مالك فإنّه يقدّم الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات وقول الصحابي على القياس".

وقال السخاوي في فتح المغيث (1 \ 82): "... وفي رواية عنه –يقصد الإمام أحمد– أنّه قال لابنه: لو أردت أن أقتصره على ما صح عندي لم أرو من هذا المسند إلاّ الشيء بعد الشيء، ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث، إني لا أخالف ما يضعف إلاّ إذا كان في الباب شيء يدفعه".

وقال السخاوي في فتح المغيث (1/ 287): لكنّه –أي الإمام أحمد– احتج بالضعيف حين لم يكن في الباب غيره وتبعه أبو داود وقدماه على الرأي والقياس، ويقال عن أبي حنيفة أيضا ذلك، وإنّ الشافعي يحتج بالمرسل إذا لم يجد غيره كما سلف كل ذلك في أواخر الحسن، وكذلك إذا تلقت الأمة الضعيف بالقبول يعمل به على الصحيح، حتى إنه ينزل منزلة المتواتر في أنه ينسخ المقطوع به، ولهذا قال الشافعي رحمه الله تعالى في حديث: "لا وصية لوارث" إنّه لا يثبته أهل الحديث ولكنّ العامة تلقته بالقبول وعملوا به حتى جعلوه ناسخا لآية الوصية له".
وفي فتح المغيث (1 \ 149): "ما تقدّم عن الشافعي من عدم الاحتجاج بالمرسل إلاّ إن اعتضد هو المعتمد، وإن زعم الماوردي أنّه في الجديد يحتج بالمرسل إذا لم يوجد دليل سواه".

وفي "نكت الزركشي على مقدمة ابن الصلاح" (311 – 322) باختصار: ما ذكره من عدم العمل بالضعيف في الأحكام ينبغي أن يستثنى منه صور:
أحدها: ألاّ يوجد سواه، وقد ذكر الماوردي أنّ الشافعي احتج بالمرسل إذا لم يوجد دلالة سواه وقياسه في غيره ومن الضعيف كذلك، وقد نقل عن الإمام أحمد انّه يعمل بالضعيف إذا لم يوجد في الباب غيره ولم يكن ثمّ ما يعارضه..... وقال مهنا: "سألت أحمد عن حديث معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: "أنّ غيلان أسلم وعنده عشرة نسوة"، فقال ليس بصحيح والعمل عليه.

وفي كتاب المسائل لعبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال أبي: "ضعيف الحديث خير من قوي الرأي".

ومن الجدير بالذكر أنّ من علماء الحنابلة من قال أنّ الضعيف عند أحمد غير الضعيف في عرف المتأخرين، فعنده الحديث يقسم إلى صحيح وضعيف، لأنّه ضعف عن درجة الصحيح، أي فهو بمنزلة الحسن عند الترمذي، وهذا قول ابن تيمية في مجموع الفتاوى (1 \ 251) وتابعه على ذلك تلميذه ابن القيّم في إعلام الموقعين (1 \ 31).
وقد أجيب على كلام ابن تيمية وتلميذه بأنّ الحديث الحسن كان المتقدمون يدرجونه تحت الصحيح لا تحت الضعيف كما ادعاه ابن تيمية، ويؤكّد ذلك ما قاله ابن الصلاح في مقدمته (1 \ 20): "من أهل الحديث من لا يفرد نوع الحسن ويجعله مندرجًا في أنواع الصحيح لاندراجه في أنواع ما يحتج به"، وقال الذهبي في "سير النبلاء" (13 \ 214): "الحسن باصطلاحنا المولّد الحادث، الذي هو في عرف السلف يعود إلى قسم من أقسام الصحيح الذي يجب العمل به عند جمهور العلماء".
والذي يؤكّد ذلك وجود أحكام فقهية في المذهب الحنبلي منسوبة إلى الإمام أحمد مبناها على حديث ضعيف في مصطلح المتأخرين وهو الذي لم تتوفر فيه شروط القبول، أي ليس في مرتبة الحسن.
الثانية: إذا وجد له شاهد مقوّ مؤكّد من الكتاب أو السنة.
الثالثة: أن يكون في موضع احتياط فيجوز الاحتجاج به ظاهرا.

شروط العمل بالحديث الضعيف:
قال السيوطي في "تدريب الراوي" (1\289): "... وذكر له شيخ الإسلام ثلاثة شروط:
أحدهما: أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكّذّابين والمتهمين، ومن فحش غلطه، نقل العلائي الاتفاق عليه.
الثاني: أن يندرج تحت أصل عام.
الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتياط، وقال: هذان ذكرهما ابن عبد السلام وابن دقيق العيد.
وجاء في حاشية قليوبي على شرح المحلى على المنهاج (1\64): "قوله (للعمل بالحديث الضعيف) لكن بشروط ثلاثة: أن لا يشتدّ ضعفه، وأن يدخل تحت أصل عام، وأن لا يعتقد الفاعل سنيّة ذلك الفعل بذلك الحديث".
واشترط الرملي في نهاية المحتاج عين الشروط التي ذكرت في حاشية قليوبي إلاّ أنّه علّق على الشرط الثالث: أن لا يعتقد سنيّته بذلك الحديث بقوله: وفي هذا الشرط الأخير نظر لا يخفى [انظر: 1 \ 197].

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 31 - 21 10/22/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 26 - 17 10/21/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 26 - 18 10/20/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 27 - 19 10/19/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 26 - 19 10/18/2018 - 10:00