خطورة تتبع الرخص

د. مشهور فواز

من الملاحظ في الآونة الأخيرة انتشار التساهل والتسامح في قضايا اتفق الأئمة على منعها وتحريمها، وممّا يؤسف له أن يظهر ذلك على سلوك بعض أهل الاستقامة ممّن لا نشك في صدقهم وحسن سيرتهم، ولكنّهم كانوا ضحية التطور والانفتاح والقنوات والشبكات العنكبوتية وضحية الجهلة من أشباه المفتين أو إن شئت فقل المفتنين، وذلك لأنّ الفتنة في الرأي من أعظم الفتن.

قال سفيان الثوري: "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية يتاب منها والبدع لا يتاب منها".

وقال سليمان التيمي: "إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله"، وقال أبو عمر ابن عبد البر: "هذا إجماع لا أعلم فيه خلافًا" [انظر: "جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر 2/92، و"الإحكام" لابن حزم 6/317].
وقال الأوزاعي: "من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام" [انظر: سنن البيهقي الكبرى رقم (20707) 10/211].

وقال الإمام أحمد: "لو أن رجلا عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع (يعني الغناء) وأهل مكة في المتعة كان فاسقًا". [انظر: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" لأبي بكر بن الخلال رقم (171) ص 206].
وقال الشاطبي: "فإذا صار المكلف في كل مسألة عنت له يتبع رخص المذاهب وكل قول وافق فيها هواه فقد خلع ربقة التقوى وتمادى في متابعة الهوى ونقض ما أبرمه الشارع وأخر ما قدمه" [انظر: الموافقات للشاطبي 2/386–387].
وقال ابن حجر الهيتمي الشافعي في التحفة (10\112): "ويشترط أيضًا أن لا يتتبع الرخص؛ بأن يأخذ من كل مذهب بالأسهل منه، لانحلال ربقة التكليف من عنقه حينئذ، ومن ثمّ كان الأوجه أن يفسق به".
وفي فتاوى ابن حجر الهيتمي (4\305): قال ابن الصلاح: ثمّ اشتراط عدم تتبع الرخص هو المعتمد وتبعه المحقق الكمال بن الهمام من الحنفية، وعلى الأول فهل يفسق بالتتبع؟ وجهان: أوجههما أنّه لا يفسق كما يفتضيه كلام النووي في فتاويه، وقول بعضهم إنّ ابن حزم حكى الإجماع على الفسق محمول على تتبعها من غير تقليد".

قال ابن عابدين في "العقود الدّرية" (2\327): "... فأمّا الذي لم يكن من أهل الاجتهاد فانتقل من قول إلى قول من غير دليل، لكن لما يرغب من غرض الدّنيا وشهوتها فهو مذموم آثم مستوجب للتأديب والتعزير لارتكابه المنكر في الدّين واستخفافه بدينه ومذهبه".
وقال فقيه المالكية الشيخ عليش في فتح العلي المالك ( 1\77 ): "وأمّا تتبع أخف المذاهب وأوفقها لطبع الصائر إليها والذاهب فمما لا يجوز"، وقال رحمه الله تعالى في نفس الكتاب (1\90): "والأصح أنّه يمتنع تتبع الرخص في المذاهب بأن يأخذ منها ما هو الأهون فيما يقع من المسائل، وقيل لا يمتنع، وصرّح بعضهم بتفسيق متتبع الرخص".
وقال ابن النّجار الفتوحي الحنبلي في شرح الكوكب المنير (ص627): "ويحرم عليه -أي على العامي- تتبع الرخص، وهو أنّه كلّما وجد رخصة في مذهب عمل بها ولا يعمل بغيرها في ذلك المذهب، ويفسق به -أي بتتبع الرخص- لأنّه لا يقول بإباحة جميع الرخص أحد من علماء المسلمين: فإنّ القائل بالرخصة في هذا المذهب لا يقول بالرخصة الأخرى التي في غيره".
وذلك لأنّ تتبع الرخص مؤدٍ إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها؛ لأنّ له أن يفعل ما يشاء ويختار ما يشاء، وهو عين إسقاط التكليف، فيُمنع سدًا للذريعة.
ثمّ إنّ القول بتتبع الرخص يترتب عليه مفاسد عظيمة، منها:
أ - الاستهانة بالدين، فلا يكون مانعًا للنفوس من هواها، ومن مقاصد الشرع إخراج الإنسان عن داعية هواه، والقول بإباحة تتبع الرخص فيه حث لإبقاء الإنسان فيما يحقق هواه.
ب- الانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلاف، ثم إنه لا يوجد محرّم إلا وهناك من قال بإباحته، إلا ما ندر من المسائل المجمع عليها، وهي نادرة جدًا.
ج- انخرام قانون السياسة الشرعية بترك الانضباط إلى أمر معروف، فتضيع الحقوق، وتعطّل الحدود، ويجترئ أهل الفساد.
د- إفضاؤه إلى القول بتلفيق المذاهب على وجه يخرق الإجماع.
وهذا ما توصل إليه مجمع الفقه الإسلامي في جلسته المنعقدة في دورة مؤتمره الثامن في بندر سيري بيجوان، بروناي دار السلام، من 1–7 محرم 1414هـ الموافق 12–27 حزيران (يونيو) 1993م، فقد نصّ على جواز الأخذ بالرخص في القضايا العامة تُعامل معاملة المسائل الفقهية الأصلية إذا كانت محقّقة لمصلحة معتبرة شرعًا، وصادرة عن اجتهاد جماعي ممن تتوافر فيهم أهلية الاختيار، ويتصفون بالتقوى والأمانة العلمية.
ونصّوا على أنه لا يجوز الأخذ برخص الفقهاء لمجرد الهوى؛ لأن ذلك يؤدي إلى التحلّل من التكليف، وإنما يجوز الأخذ بالرخص وفق الضوابط الآتية:
* أن تكون أقوال الفقهاء التي يُترخّص بها معتبرة شرعًا، ولم توصف بأنها من شواذ الأقوال.
* أن تقوم الحاجة إلى الأخذ بالرخصة دفعًا للمشقة، سواء أكانت حاجة عامة للمجتمع أم خاصة أم فردية.
* أن يكون الآخذ بالرخص ذا قدرة على الاختيار، أو أن يعتمد على من هو أهل لذلك.
* ألا يترتب على الأخذ بالرخص الوقوع في التلفيق الممنوع.
* ألا يكون الأخذ بذلك القول ذريعة للوصول إلى غرض غير مشروع.
* أن تطمئن نفس المترخّص للأخذ بالرخصة [انظر: مجلة المجمع، العدد الثامن ج1\ص41، قرار رقم: 70 (1\8)].

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 17 - 11 11/23/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 16 - 10 11/22/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 17 - 12 11/21/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 21 - 12 11/20/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 22 - 13 11/19/2017 - 10:00