من له حق الاستنباط من الكتاب والسنة؟

د. مشهور فواز

انتشرت في القرن الأخير ظاهرة من ينادي بعدم التقليد لمذهب من المذاهب والأخذ من حيث أخذوا، بدعوى أنّ العصمة للوحييْن (الكتاب والسنة). وهذه المذاهب الفقهية يحتج لها ولا يحتج بها، وهي عرضة للصواب والخطأ، ونحن قد أمرنا باتباع الكتاب والسنة لا باتباع المجتهدين ومذاهبهم واجتهاداتهم... وليت شعري كأنّهم توصلوا إلى ما توصلوا إليه بجهل أو بهوى!! وفات هؤلاء بأنّ المجتهد ليس قسيمًا للكتاب والسنة وإنّما هو مقرّب ومستنبط، ومن قال بأنّ المجتهد الفلاني ليس له دليل على قوله، فقد اتهمه في دينه لأنّه يستحيل على المجتهد بأن يقول بلا دليل، وإلاّ كان متبعًا للهوى، ومن أضلُّ ممّن اتبع هواه!! وإلى مثل هؤلاء نقول: نعم إنّ المجتهد يصيب ويخطئ إلاّ أنّه معذور بخطئه ومأجور،وللعالم أن يتخيّر من اجتهادات المذاهب الأربعة ما يجده أوفق وأرفق، ولكنّه ليس من حق أحد أيًا كان - ولو كان أعلم أهل زماننا - أن يخرق هذه الاجتهادات ويأتي بقول جديد إلاّ إذا قد بلغ رتبة الاجتهاد. ولبيان استعصاء هذه المرتبة على العلماء في زماننا فضلا عن طلبة العلم أمثالنا، وددت أن أبيّن مراتب الاجتهاد، كي تعلم بأنّ الاجتهاد عزيز في زماننا بل متعذّر!!

الاجتهاد اصطلاحا: "استفراغ الوسع في طلب الظنّ بشيء من الأحكام الشرعية".

مراتب الاجتهاد:
أولا: المجتهد المستقل: وهو المستقل بتأسيس قواعد الأصول واستنباط أحكام الفروع من الأدلة من غير تقليد لأحد لا في الأصول ولا في الفروع، كالأئمة الأربعة ".

قال السيوطي: "..المستقل هو الذي استقل بقواعده لنفسه، يبني عليها الفقه،خارجًا عن قواعد المذاهب المقررة، كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل".

وهذه المرتبة فقدت منذ زمن غابر. قال السيوطي: "وهذا شيء فقد من دهر،بل لو أراده الإنسان اليوم لامتنع عليه".

ثانيا: المجتهد غير المستقل وهو على مراتب:
أ. مرتبة المجتهد المطلق المنتسب إلى إمام مجتهد:
وهو الذي وجدت فيه شروط الاجتهاد التي اتصف بها المجتهد المستقل، ولم يبتكر قواعد لنفسه، بل سلك طريقة إمام من أئمة المذاهب في الاجتهاد، فهو لم يقلّد إمامه ولكنّه سلك طريقته في الاجتهاد، مثل أبي يوسف ومحمّد بن الحسن وزفر من الحنفية وابن القاسم وأشهب من المالكية والبويطي والزعفراني والمزني من الشافعية. (انظر: أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي، ج2 \ 1108).

وهذه المرتبة قد أغلق بابها عند جمهور أهل العلم:
قال الدهلوي في الإنصاف (ص 53): " وانقرض المجتهد المطلق المنتسب في مذهب أبي حنيفة بعد المائة الثالثة ".

قال ابن رجب في رسالته " الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة " (ص 9 -10): " ثمّ قلّ الدّين والورع، وكثر من يتكلّم في الدّين بغير علم ومن ينصّب نفسه لذلك وليس هو له بأهل، فلو استمر الحال في هذه الأزمان المتأخرة على ما كان عليه في الصدر الأول، بحيث أنّ كل أحدٍ يفتي بما يدّعي أنّه يظهر له أنّه الحق، لاختلّ به نظام الدّين لا محالة، ولصار الحلال حرامًا والحرام حلالا، ولقال كل من شاء ما يشاء، ولصار الدّين بسبب ذلك مثل أهل الكتابيْن من قبلنا، فاقتضت ضبط الدّين وحفظه: بأن نصب للناس أئمة مجتمعًا على علمهم ودرايتهم وبلوغهم الغاية المقصودة في مرتبة العلم بالأحكام والفتوى، من أهل الرأي والحديث، فصار الناس كلهم يعوّلون في الفتاوى عليهم، ويرجعون في معرفة الأحكام إليهم، وأقام من يضبط مذاهبهم ويحرّر قواعدهم، حتى ضبط مذهب كل إمام منهم وأصوله وقواعده وفصوله، حتى ترد إلى ذلك الأحكام ويضبط الكلام في مسائل الحلال والحرام، وكان ذلك من اللطف بالمؤمنين، ومن جملة عوائده الحسنة في حفظ الدّين، ولولا ذلك: لرأى النّاس العجاب، من كلّ أحمق متكلّف معجب برأيه جريء على النّاس وثاب، فيدّعي هذا أنّه إمام الأئمة، ويدّعي هذا أنّه هادي الأمة، وأنّه هو الذّي ينبغي الرجوع دون النّاس إليه والتعويل دون الخلق عليه، ولكن انسدّ الباب الذي خطره عظيم وأمره جسيم وانحسمت هذه المفاسد العظيمة.... ومع هذا فلم يزل يظهر من يدّعي بلوغ رتبة الاجتهاد ويتكلّم في العلم من غير تقليد لأحد من هؤلاء الأئمة ولا الانقياد".

ج. المجتهد المقيّد (مجتهد التخريج): ويقال لهم أصحاب الوجوه، وهم الذين يخرّجون ما لم ينصّ عليه الإمام على ما نصّ عليه وفقًا لأصوله، كالحسن بن زياد والكرخي والطحاوي من الحنفية، والأبهري وإبن أبي ليلى من المالكية،وكالقفال والإصطخري والشيرازي والمروزي من الشافعية. (انظر: أصول الفقه الإسلامي، للزحيلي، 2\1108).

د. مجتهد الترجيح: ويقال لهم مجتهدو الفتوى: وهم الذّين يرجّحون بين أقوال الإمام وأوجه الأصحاب، كأمثال النووي والرافعي من الشافعية. (انظر: أصول الفقه الإسلامي، للزحيلي، 2\1108).

هـ. مرتبة ضبَطة المذهب: وهم الذّين ضبطوا المذهب في أصوله وفروعه وقواعده في الجملة، كأمثال الرملي وابن حجر الهيتمي في المذهب الشافعي.
ويلاحظ أنّ أصحاب هذه المراتب الثلاث الأخيرة في الحقيقة مقلدون ومقيّدون في المذهب،فتسميتهم بالمجتهدين هو من قبيل التسامح، وذلك لأنّهم لا يستنبطون أحكاما، وهذه المراتب لم يغلق بابها، ولكن أين الهمم والعزائم التي تطيق حفظ المذهب بجزئياته وتفاصيله وشروطه وقيوده واختلافاته وأدلته وأصوله وقواعده؟! لقد عزّ هذا الأمر في زماننا هذا، بل عزّ في زماننا من ينقل الفتوى بدقة، فضلاّ عن أن يوجد كأمثال الرملي والرافعي وابن حجر الهيتمي؟!

يتبيّن ممّا سبق أنّه لا يحلّ لأحد من أهل العلم المعاصرين، ولو حصل على أعلى الرتب والشهادات الجامعية، بأن ينشئ قولا جديدًا لم يسبقه به مجتهد معتبر، لأنّه لا أظنّ أنّ أحدًا يسمح لنفسه ولو للحظة بأن يعتقد بأنّه بلغ رتبة الرملي أو ابن حجر الهيتمي، فضلا عن الرافعي والنووي، وهؤلاء لم يسمحوا لأنفسهم بإنشاء قول جديد يخالف من سبقهم من المجتهدين، بل لم يدعوا لنفسهم الاجتهاد أصلا، ويبقى لأهل العلم المعاصرين الثقات الراسخين في العلم حق التخيّر من المذاهب الأربعة وفق الاعتبارات الشرعية، وحق البحث في المسائل المستجدة التي لم ينص عليها في المذاهب الفقهية المدوّنة كالاستنساخ وأطفال الأنابيب وتحديد جنس الجنين ونحوها من الأمور المستجدة. والأولى أن يكون رأيا مجمعيا لا رأيًا فرديًا. فهذا أحوط وأوفق.

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 20 - 11 12/15/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 17 - 8 12/14/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 16 - 7 12/13/2018 - 10:00
حكم الجمع بين الظهر والعصر يوم الجمعة بسبب المطر https://t.co/1f9eYw3ovv 12/12/2018 - 13:15
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 17 - 12 12/12/2018 - 10:00