أوباما وعقدة السيد

توفيق محمد

قبل عشرة أعوام أو يزيد قليلا من الآن كان ساكن البيت الأبيض هو زوج وزيرة خارجية الساكن الحالي، كان بيل كلنتون زوج هيلاري كلنتون وزيرة خارجية الرئيس الأمريكي الحالي اوباما هو الرئيس الأمريكي الذي حكم الولايات المتحدة الأمريكية لفترتين رئاسيتين متتاليتين (8 سنوات)، والقاسم المشترك بين الرجلين كان انتماؤهما للحزب الديمقراطي الأمريكي، وكونهما من اصغر الرؤساء الذين حكموا أمريكيا فكلاهما انتخب وهو في جيل 47 عاما، أما في القوة على اتخاذ القرار فعلى ما يبدو أن كلا منهما متأثر بعقدة العبد والسيد التي تشده نحو التاريخ الأمريكي القصير (الماضي الذي أتى منه).

لا شك أن هناك سياسات عليا تحتكم إليها السياسة الأمريكية – ككل الدول - لا تكترث بهوية الرئيس الذي يحكم البلاد بقدر ما أنها تكترث وتهتم بالمصالح العليا للدولة والاستراتيجيات التي يبنيها قادة الرأي والمستشارون والقوى الأمنية الذين يعملون من خلف الستار، ولكن لا شك أيضا ان لكل حزب ولكل رئيس ينتخب لإدارة البلاد أجندة خاصة لا تختلف في خطوطها العريضة مع المصلحة العليا للبلاد ولكنها تسعى للتوفيق ما بين الرؤى السياسية للحزب والرئيس والمصلحة العليا للدولة .

الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون رغم انه كان متحيزا للباطل الإسرائيلي كغيره من الرؤساء الأمريكيين وفقما تمليه عليه السياسة الأمريكية، لكنه لم يصل إلى حد الإسفاف الذي وصل إليه الرئيس الأمريكي الحالي براك اوباما، الذي في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أمس الأول الأربعاء لم يبق له إلا أن يُحَمِّلَ شعبنا الفلسطيني مسؤولية الجرائم النازية الهتلرية بحق الشعب اليهودي، ولم يبق له إلا أن يعلن أن الذنب، كل الذنب، في الاحتلال الإسرائيلي إنما يتحمله الشعب الفلسطيني وليس المحتل الإسرائيلي، وكأنه أراد أن يُحَمِّلَ شعبنا الفلسطيني مسؤولية احتلال المؤسسة الإسرائيلية لأرضه ووطنه، وطرد أهله وأجداده من بلادهم وأوطانهم، وتشريدهم في المنافي والمخيمات، ولأجل إقناع الجمعية العامة للأمم المتحدة بوجهة نظره البائسة اخذ يتباكى على الأطفال اليهود الذين يعانون من "الإرهاب" الفلسطيني، ويكأنه أعمى وأطرش وأبله أيضا، فان كان يريد أن يتولى مهمة الكذب عن الإسرائيليين فعلى الأقل فليأت للعالم بما هو واقعي، وان كان صغيرا ثم يضخمه علَّ البعض يصدق، لكن أن يتعامى عن الدماء الفلسطينية التي أسالتها دولة الاحتلال الإسرائيلي إبان بدء توليه مقاليد الحكم في أمريكا (2008-2009 ) وان يتعامى عن حقيقة أن الاحتلال الإسرائيلي هو الذي يحتل الأرض الفلسطينية ويصادر مقدرات شعبنا الفلسطيني ويعمل القتل متى ما شاء عبر طائرات الاباتشي والإف 16.... الأمريكية فهذا ليس غباء بقدر ما انه اذدناب وارتماء في الحضن الصهيوني لم يسبقه ارتماء على هذه الشاكلة .

لم ولن نتفهم الظلم والظلاّم في يوم من الأيام ، لكننا كنا نعي أن مواقف الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش تجاه المؤسسة الإسرائيلية وتجاه القضية الفلسطينية كانت محكومة لمواقف عقدية مسيحية تؤمن بإسرائيل الكبرى والقوية الممهدة للبعث الثاني ، لكن الخطاب الذي ألقاء اوباما ( وهو غير ذي علاقة بهذا الإيمان المسيحي لأتباع المسيحيين الجدد) أمس الأول من حيث الانحياز الكامل والتام للمؤسسة الإسرائيلية والمناقض تماما لخطابه في القاهرة يوم تولى مقاليد حكم بلاده في العام 2009 والمناقض أصلا لما هو معروف عنه حقيقة من إيمانه بضرورة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، هذا الخطاب الذي يمكن انتنياهو أن يكتفي به ويتنازل عن خطابه الليلة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فهو لن يقول أفضل مما قال اوباما عن إسرائيل، نقول أن هذا الخطاب لا يمكن أن يقال بحقه إلا انه انصياع كامل وتام لـ "الأوامر" التي تلقاها، والتي ألزمته هذا الموقف وإلا فانه سيجد نفسه خلف أبواب التاريخ يكتب مع ميشيل ذكريات أول "رئيس" أمريكي من أصول افريقية حاول أن يتمرد على "السيد" الأبيض، وان يصنع تاريخا جديدا غير الذي يرده "الأسياد" ، وربما هذا هو أهم الفروق بين رئيسين ديمقراطيين تسلما الحكم في نفس الجيل وكانا يمتهنان نفس المهنة (المحاماة) واعتبرا اكتشافه السياسة الأمريكية ، فالأول تصرف طيلة وقته كسيد يملك أمره وغادر مقعده وهو يتمتع بأعلى نسبة تأييد لم يصلها رئيس أمريكي قبله فيما الثاني ، على ما يبدو، تلاحقه عقدة الطفل الأسود اليتيم المظلوم الذي يجب أن يدفعه الولاء دائما إلى الانصياع لقرارات السيد حتى ولو كان شكليا هو السيد .

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 31 - 21 09/24/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 30 - 19 09/23/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 30 - 21 09/22/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 29 - 21 09/21/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 30 - 20 09/20/2018 - 10:00