مسائل متفرقة في التقليد والتمذهب

د. مشهور فواز

المسألة الأولى: هل اتباع مذهب والتمسك به يتنافى مع التمسك بالكتاب والسنة؟
إنّ الأئمة أصحاب المذاهب ليسوا قسيمًا للكتاب والسّنة بل هم مستخرجون لأحكامهما، فهم أعلم بمراد الشارع ومقصوده وهم أعلم بدلالة الأمر، هل هو للوجوب أم للاستحباب أم للإرشاد أم للإباحة.. وهم أدرى بدلالة النهي أهو للتحريم أم للكراهة.. لذا فاستنباط إمام من الأئمة المجتهدين هو عبارة عن تقريب للكتاب والسنة للنّاس، لذا اعتبر الشاطبي فتاوى المجتهدين بالنسبة إلى غير المجتهدين كالأدلة الشرعية في الأخذ بها والعمل وفقها، جاء في الموافقات (4\292): "فتاوى المجتهدين بالنسبة إلى العوام كالأدلة الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين، والدليل عليه: أنّ وجود الأدلة بالنسبة إلى المقلّدين وعدمها سواء، إذ كانوا لا يستفيدون منها شيئًا فليس النظر في الأدلة والاستنباط من شأنهم، ولا يجوز ذلك لهم البتة، والمقلّد غير عالم فلا يصح له إلاّ سؤال أهل الذّكر وإليهم مرجعه في أحكام الدّين على الإطلاق، فهم إذًا القائمون له مقام الشارع وأقوالهم قائمة مقام الشارع".

وفي ذلك يقول ابن تيمية: "وليعلم أنّه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عاما يتعمد مخالفة السنة في شيء؛ دقيق ولا جليل؛ فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب الاتباع وعلى أنّ كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك... ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له من عذر في تركه. وجميع الأعذار ثلاثة أصناف:
أحدها: عدم اعتقاده بصحة إسناد الحديث.
والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.
والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ.
وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة". [راجع "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" – مكتبة صيد الفوائد].
يتبيّن ممّا سبق أنّ اتباع مذهب من المذاهب الأربعة المعتبرة بعزائمة ورخصه هو بمثابة مقرِّب للكتاب والسنة، ويستحيل على مذهب من المذاهب أن يخالفهما، وبناء على ذلك: من اتبع مذهبًا من هذه المذاهب والتزم به، فإنّه بذلك يكون متبعًا للكتاب والسنة حقيقة وليس لأشخاص كما يتصوره البعض، لأنّ المجتهد بالنسبة إلينا كمقلدين يقوم مقام الدليل، كما بيّن الشاطبي في موافقاته.

وسبق أن قد بيّنت في حلقات سابقه اختيار المذهب الشافعي والالتزام به في منهجنا العام وألاّ نخرج عنه إلاّ لحرج أو مشقة أو حاجة أو لضرورة، توحيدًا لشعائرنا التعبدية ودفعًا لفتنة الاختلاف المذموم، وحسمًا للفوضى الفقهية وتتبع الرخص والأهواء.

المسألة الثانية: ما حكم تقليد القول المرجوح والضعيف في المذهب؟
القول الضعيف في المذهب هو ما قابل الأصح أو ما قابل الأوجه أو ما قابل المعتمد أو ما قابل المتجه، وليس ما قابل الصحيح، لأنّ ما قابل الصحيح يقال له فاسد، وأمّا بالنسبة إلى العمل بالقول الضعيف والمرجوح –غير المعتمد- فيجوز، على ألاّ يكون بالإفتاء أو القضاء، وإنّما يجوز أن يقلّده الشخص للعمل في حق نفسه ولا يفتي بذلك غيره.

قال قليوبي في حاشيته على "المحلى" (1\13): "ويجوز العمل بالمرجوح في حق نفسه، لا في الإفتاء والقضاء، إذا لم يجمع بين متناقضين، كحلّ وحرمة، في مسألة واحدة".

وقال البجيرمي في حاشيته على شرح المنهج (2\83): "يجوز تقليد الضعيف في حق نفسه كما نصّ عليه ع ش، ولا يجوز أن يُفتى به كما قرره شيخنا".
وجاء في "إعانة الطالبين" (1\19): "وأمّا الأقوال الضعيفة فيجوز العمل بها في حق نفسه لا في حق الغير ما لم يشتدّ ضعفها، ولا يجوز الإفتاء ولا الحكم بها، والقول الضعيف شامل لخلاف الأصح وخلاف المعتمد وخلاف الأوجه وخلاف المتجه، وأمّا خلاف الصحيح فالغالب أنّه يكون فاسدًا لا يجوز الأخذ به".

وبناء على ذلك القول الذي يقابل الأصح والأوجه في المذهب، وهو ما يسمى الصحيح، يجوز العمل به في المذهب الشافعي للشخص نفسه ولكن يحظر إفتاء الغير به.

وبهذه المناسبة أودّ أن أحذّر البعض من خطورة الإفتاء ببعض الأقوال المنثورة في المذهب، إذا لم تكن معتمدة في المذهب، فإنّ ذلك محظور عند أرباب المذهب ومحرريه، فلا ينبعي لأحد أن يلتقط قولا لبعض علماء الشافعية ويفتي به النّاس طالما أنّه ليس معتمدًا ولم يصدر على الأقل عن مجتهد فتيا في المذهب، فإن كان القول لمجتهد فتيا كالنووي فإنّه يجوز عمل المرء به دون الفتوى.

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 29 - 23 07/20/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 31 - 22 07/19/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 31 - 22 07/18/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 31 - 21 07/17/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 32 - 23 07/16/2018 - 10:00