قراءة من كتاب "الدّرّ المنضود في الصلاة والسّلام على صاحب المقام المحمود" لابن حجر الهيتمي الشافعي

د. مشهور فواز

نتناول في هذه السلسلة كتابًا من كتب التراث القديمة، ونعرضه بصورة موجزة للقرّاء الكرام، كي نقرّب كتب السلف إلى النّاس وإحياءً لعلومهم وذكرهم في حياتنا، وذلك لأنّ أنفاس أولئك القوم طاهرة، ونفوسهم زاكية، ونواياهم خالصة، فهم أرقّ قلوبًا وأصفى سريرة وأعمق وأدق فهما وأغزر علمًا وأشدّ اتباعًا ومتابعة للكتاب والسنة.

وجولتنا في هذه السلسلة مع كتاب "الدّر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود" لابن حجر الهيتمي الشافعي (909 هـ – 974هـ)، وشيخنا المذكور هو عمدة الفتوى في المذهب الشافعي، وله 117 مؤلفًا في شتى فنون العلم من حديث وفقه وسيرة وأخلاق وعقيدة وغير ذلك،إلا أنّ أبرز الفنون التي اشتهر بها هو علم الفقه، وله في ذلك اليد الطّولى، وما تحفته المشهورة بـ"تحفة المحتاج بشرح المنهاج" -التي عليها المدار والاعتماد في الإفتاء عند الشافعية- إلا أصدق دليل على ذلك، والتي كان قد صنّفها في ستة أشهر، وقد أوصل بعض الباحثين الأعمال التي وضعت على "التحفة" إلى 27 عملًا بين حاشية وتعليق.

إنّ الكتاب الذي بين أيدينا، والذي هو من نتاج وتأليف شيخنا الهيتمي كما سبق، هو عبارة عن 304 صفحات مع المقدمة والفهارس والتراجم، طبعة دار المنهاج للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى؛ 1426هـ\2005م جدة، المملكة العربية السعودية، وقد تشرّف هذا الكتاب ومصنّفه وناشره وعارض موجزه وتلخيصه ومن اعتنى به في بيان فضل وأهمية وفوائد الصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأسرار تلك الصلاة التي أمرنا بها تنويهًا بعظم مقام النبي المحمود صلوات الله وسلامه عليه، فإنّها كما قيل: ترياق للقلوب وماحية للذنوب ومرقاة إلى كل أمر محبوب، بها يحلّق الموفّق في أجواء العلياء ويتدرّج في سلّم الارتقاء، حتى يبلغ مراتب الأولياء.

أولا: "معنى صلاة الله سبحانه تعالى على نبيه صلّى الله عليه وسلّم"
يبيّن المصنّف رحمه الله تعالى في مقدمة هذا الكتاب معنى الصلاة من الله تعالى على النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقد أسهب في عرض أقوال أهل العلم في المسألة، وملخصها:

القول الأول: أنّ الصلاة من الله تعالى على نبيه الثناء عليه عند ملائكته وتعظيمه (الدّر المنضود، ص40).

وهو ما رواه البخاري عن أبي العالية ورُوي عن الرّبيع بن أنس وجرى عليه الحَليميّ ونقله البيهقي في شعب الإيمان (2\133–134) حيث جاء فيه: فمعنى اللهمّ صلِّ على محمّد أي: "اللهمّ عظّمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وإجزال أجره ومثوبته وإبداء فضله للأولين والآخرين بالمقام المحمود وتقديمه على كافة المقربين الشهود".

قال ابن حجر الهيتمي: "وتفسير "صلِّ عليه" بالتعظيم لا ينافي عطف آله وأصحابه عليه في ذلك، لأنّ تعظيم كلّ أحد بحسب ما يليق به" (الدّر المنضود، ص40).

القول الثاني: أنّ الصلاة من الله على نبيه تعني رحمته، وهذا ما نقله الترمذي عن الثوري وغير واحد من أهل العلم، ونقل عن أبي العالية والضحاك وابن الأعرابي وهو قول الماوردي والرازي والآمدي.

إلاّ أنّه اعترض على هذا التوجيه بأنّ الله تعالى قد غاير بين الصلاة والرحمة، فقال: "أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة" (الدّر المنضود، ص41).
فهذا يدلّ أنّ الصلاة من الله تعالى غير الرحمة، فلو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لما قال صلوات ورحمة.

قال الهيتمي: "لا مانع من أنّ الصلاة رحمة خاصة، فلِما فيها من ذلك الخصوص غوير بينهما بالعطف" (الدّر المنضود، ص42).

وقال القاضي عياض: "الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم من الله عزّ وجلّ تشريف وزيادة وتكرمة، وعلى من دون النبي صلّى الله عليه وسلّم رحمة، وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي صلّى الله عليه وسلّم وبين سائر المؤمنين في أنّ الله وملائكته يصلّون على النبي مع قوله: (هو الذي يصلّي عليكم وملائكته)، ومن المعلوم أنّ القدر الذي يليق به صلّى الله عليه وسلّم من ذلك أرفع ممّا يليق به غيره، والإجماع منعقد على أنّ في هذه الآية من تعظيم النبي صلّى الله عليه وسلّم والتنويه به ما ليس في غيرها" (الدّر المنضود، ص43).

القول الثالث: أنّ الصلاة من الله على نبيه بمعنى الاستغفار، وهذا قول ابن جبير ومقاتل، كما نقله ابن أبي حاتم عنهما ورُوي عن الضحاك وهو قول القرافي وجرى عليه البيضاوي.

اختيار ابن حجر الهيتمي:
بعد أنّ عرض ابن حجر الأقوال الثلاثة في معنى الصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهي (الثناء والرحمة والاستغفار)، توصّل إلى ما يلي: أنّه لا منافاة بين الأقوال الثلاثة، وذلك لأنّ المغفرة بمعنى الرحمة المخصوصة المراد بها تعظيمه والثناء عليه وتشريفه والتنويه بعليّ قدره وشرفه بين ملائكته، مع مزيد الإفضال عليه من سوابغ إنعامه بما يليق بعظيم كماله (الدّر المنضود، ص44).

وبذلك نخلص إلى أنّ معنى صلاة الله تعالى على نبيه صلّى الله عليه وسلّم: "أنّها من الله الرحمة المقرونة بالتعظيم".

وفي اللقاء القادم نبيّن معنى صلاة الملائكة والمؤمنين على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 29 - 23 07/20/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 31 - 22 07/19/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 31 - 22 07/18/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 31 - 21 07/17/2018 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 32 - 23 07/16/2018 - 10:00