في ذكرى النكبة: معركة سقوط قرية اللجون الفلسطينية

وجدي حسن جميل جبارين

شكلت قرية اللجون – درة تاج ام الفحم – ومفرقها نقطة استراتيجية هامة جدا في مرج ابن عامر لما لموقعها الجيو- استراتيجي من اهمية عسكرية بالغة الاهمية – منذ فجر التاريخ – وذلك لوقوعها على نقطة التقاء خطوط المواصلات بين جنوب فلسطين وشمالها وبين شرقها وغربها , ولم تغفل القيادات الصهيوينة هذه الاهمية ولا نشاطها ما قبل الدولة , بحيث عملت بشتى الوسائل والطرق على السيطرة عليها والاستفادة من موقعها الاستراتيجي الهام . ووضعت الخطط العسكرية وجندت القوات للسيطرة عليها خلال الاشهر التي سبقت اعلان "النكبة" في 15-5-1948......
....وفر انسحاب قوات الانقاذ – اطلق عليها الفلاحون لقب قوات الانقاض- بقيادة فوزي القاوقجي بعد فشل الهجوم على مستعمرة مشمار هعيمق – انظر مقالنا السابق حول ذلك- باتجاه قرية اللجون فرصة للقوات اليهودية المعززة التي وصلت للدفاع عن مشمار هعيمق لبدء هجوم مضاد ومن ثم باحتلال وهدم القرى العربية التي انسحب منها القاوقجي مثل قرية الغبيا التحتا والفوقا وخربة بيت راس ,وقرى ابو زريق وابو شوشة والكفرين....
استمرت القوات الصهيوينة بتقدمها نحو قرية اللجون , ولم يمض يوم 13-4-1948 , حتى قامت هذه القوات ويُقدر عددها بحوالي الف جندي بفرض طوق وحصار حول القرية محاصرة بذلك قوات القاوقجي التي لجأت اليها , وجاء "دب الصوت" الى ام الفحم , فهب الاهالي والثوار (فزعوا) للمساعدة والعون, ووصلوا خلف القوات اليهودية وفرضوا الطوق عليها, مما اضطرهم للانسحاب على جناح السرعة , وهكذا خلص الفحماويون قوات القاوقجي من الطوق" وخلصوا قريتهم من اول محاولة احتلال .
وذكر بعض اهالي اللجون ان بعض وجهاء القرية اجتمعوا مع قادة قوات الانقاذ في منطقة تدعى "ذنبة السعدان" في قرية اللجون, حيث طلب منهم هؤلاء ان يرحلوا ابناءهم الى ام الفحم حتى تنتهى الحرب .ويذكر البعض ان محمد مهدي بيك نصح بعض اصدقائه من الفحماويين بالرحيل عن اللجون لان اتفاقا بدخول اليهود للقرية قد تم مع القيادة العليا.
في هذا الوقت كانت القوات اليهودية قد احتلت قرية ابو شوشة , وقامت في 11-4-1948 بمهاجمة قرية المنسي – العربية التركمانية - وحدثت فيها معركة كبيرة, الا ان المنسي سقطت اخيرا بعد معركة قاسية ثانية شارك فيها العديد من الثوار من ابناء ام الفحم واللجون, ويقول اهالي المنسي ان ثوار اللجون شاركوا معهم في الدفاع عن المنسي وانهم , أي ثوار اللجون - لم يتركوا في قريتهم سوى النساء والاطفال ,وخرجوا جميعهم للدفاع عن المنسي.
في هذه الاثناء كانت هناك معركة اخرى ابلى فيها الفلسطينيون – الفلاحون – بطولة وعنفوان حينما استطاعوا رد الهجوم الصهيوني على قرية كفر قرع الواقعة جنوبي ام الفحم .....
في صباح 15-5-1948 , آخر يوم للانتداب الانجليزي دخلت "الجيوش العربية النظامية" الى فلسطين,بدعم وتأييد من بريطانيا وباتفاق مع الملك عبد الله على عدم تجاوز القوات العربية حدود التقسيم , وقد تم هذا الاتفاق باجتماع عقد في لندن أوائل شهر شباط 1948, بين توفيق ابو الهدى رئيس وزراء الأردن وارنست بيفن وزير خارجية بريطانيا. وانسحبت قوات الانقاذ من منطقة المثلث يرافقهم 1200 جندي وتم اعادة انتشارها في مواقع اخرى من فلسطين وخاصة في الجليل .
وُضعت جميع القوات العربية من العراق وسوريا ولبنان ومصر رسميا تحت امرة الملك عبدالله, وتكونت هذه القوات من فيالق مختلفة, وكان "الجيش العربي" الاردني تحت امرة جلوب باشا الانجليزي -الذي اطلق عليه الفلاحون الفلسطينيون وغيرهم اسم "ابو حنيك" - يتألف من هيئة اركان تضم 45 ضابطا , 40 منهم كانوا من الضباط الانجليز , وخمسة فقط من العرب .
وبدخول "القوات العربية النظامية" فقد الشعب الفلسطيني زمام المبادرة من يديه وأُخرج من دائرة الفعل ووُضعت قضية فلسطين بمجملها تحت الوصاية العربية.
ولا غرابة ان الفشل كان حليف هذه القوات التي دخلت وكأنها "فزعة عرب" من غير تجهيز كاف أو تحضير مناسب لا عدة ولا عتاد ولا تخطيط ولا قيادات, طبعا مع عدم التقليل من بطولات واستبسال الكثير من الجنود والضباط الصغار النظاميين والمتطوعين أمثال جمال عبد الناصر , محمود لبيب , احمد عبد العزيز وغيرهم من ابناء العروبة المخلصين .
ويكفي للدلالة على الاستكانة في هذه "الحرب" أن البترول المصري والعراقي ظل يصل الى القوات اليهودية الاسرائيلية طوال فترة "الحرب" بل وبعدها بكثير .
وقد عبر الفلاحون الفلسطينيون عن تفسيرهم لهزيمة الانظمة العربية في حرب فلسطين الاولى -1948م- حينما انشدوا قائلين :
قلنا لجيوش العرب كيف انهزمتو وكان النصر ع الابواب
وتركتو الدويري(طائر) يفترس العقاب
قالوا ما انهزمنا لكن كان الدليل غراب
ولا خير في قوم غراب البين راعيها
احتلال اللجون 30-5-1948 م :
مع "فشل" الهجوم العربي على مشمار هعيمق وانسحاب قوات القاوقجي والثوار العرب الى اللجون, ومع سقوط واحتلال القرى العربية في المرج والروحة وخاصة قرى عرب التركمان وقرية الكفرين, وقفت قرية اللجون حصنا مستعصيا امام القوات اليهودية, وتجمع فيها ثوار المنطقة بأسرهم, ومنها كانوا ينطلقون في محاولاتهم لاسترداد القرى العربية .
غير ان القيادة اليهودية لم تتخل او تتنازل عن حلمها في احتلال اللجون ذات الموقع الاستراتيجي الهام بشكل عام ومركز البوليس الذي كان قائما (ولا يزال "سجن مجيدو") على ارض ام الفحم (ارض الجلايم) والذي يقع على مفترق طرق هام يربط بين اطراف البلاد جميعها شمالها بجنوبها وشرقها بغربها.
وذكرت المصادر اليهودية وخاصة في مذكراتهم حول احتلال اللجون ان عدة اهداف وقفت وراء ذلك:
1- منع القوات العربية من محاولة استرداد القرى العربية المحتلة.
2- قطع طرق الاتصال بين القوات العربية لمنعها من الوصول لحيفا.
3- احتلال اللجون كنقطة انطلاق لمحاصرة المثلث ووادي عارة واحتلاله.
وذكر دافيد بن غوريون في يومياته ان قادة البالماح اجروا اتصالات ومحادثات مع منظمة الايتسل في 14-5-1948 ,"وعرض عليهم احتلال الرملة ومركز شرطة اللجون",الا ان قادة الايتسل رفضوا المشاركة في احتلال اللجون. واضاف بن غوريون قائلا انه تلقى اخبارا من دافيد هكوهين صباح يوم (14-5-1948) يبلغه فيها ان قوات الهاغانا باتت على مقربة من اللجون.
غير ان صمود القرية واهلها وقلة القوات اليهودية المهاجمة دعت قيادتهم الى تأجيل الهجوم على اللجون حتى اواخر شهر ايار 1948.
وفعلا ومع خروج قوات القاوقجي من اللجون وانسحابها باتجاه قرية جبع ,بناءً على اتفاق مسبق مع القوات اليهودية – كما يعتقد الفحماويون الذين رأوا بأم اعينهم ملابسات معركة ابو شوشة – مشمار هعيمق - وما حدث فيها من تسليم واتفاق بين القاوقجي ومختارها "الخواجة سليم شوفير" (ارييه ديامنت)..... مع خروج قوات القاوقجي وعدم انتشار القوات العراقية بشكل واسع , استغلت القوات اليهودية الفرصة, وبدأت ليلة 30-5-1948 هجومها على القرية بقيادة الضابط الشاب "نتان ايل" (هيرشكوبتس) (21عاما) بعد ان حاصرتها من ثلاث جهات مبقية على الجهة المشرفة على قرية زلفة المجاورة مفتوحة بهدف دفع الاهالي الى الهرب منها باتجاه ام الفحم او جنين .
وذكر لنا المرحوم عبد اللطيف عبد الجواد ان الضابط العراقي محمد مهدي تلقى الاوامر باخلاء اللجون تمهيدا لدخول اليهود , ويضيف ان القوات اليهودية بدأت تقدمها قبل الموعد المتفق عليه بيوم واحد , فوقف محمد مهدي على تلة عالية شاهرا مسدسه صائحا : انا محمد مهدي يا كلاب , بعدني هون (ما زلت هنا ) ....
وفي الليلة التالية انسحبت قوات الانقاذ , فسقط مركز بوليس اللجون الذي اوكلت حمايته الى خمسة فحماويين بعد انسحاب جيش الانقاذ.
وعن احتلال اللجون حدث المرحوم الحاج علي الطه : "قامت القوات اليهودية بمحاصرة القرية وخاصة منطقة مركز البوليس , بعد منتصف الليل, وبدأوا بإطلاق النار على الاهالي ". وبعد ان احتلت القوات اليهودية مركز البوليس تقدموا باتجاه مواقع القرية واحيائها وسط مقاومة واستبسال الاهالي, وقد اكد بن غوريون في مذكراته ان اهالي اللجون وثوارها استطاعوا استرداد البلدة من المحتلين في نفس الليلة , قائلا :
"ان العرب اقتحموها وانتزعوها من ايدينا وقمنا باحتلالها ثانية".
ومع ان اطفال ونساء القرية هجروها ورحلوا بأتجاه ام الفحم وزلفة, وعلى الرغم من احتلال اليهود لها, الا ان الثوار الفحماويين والاهالي استمروا على مدى يومين يحاولون اعادة انتزاع القرية من المحتلين, فيذكر بن غوريون ان العرب شنوا صباح يوم الاثنين 31-5-48 هجمات مضادة لاسترداد اللجون, الا انه امكن صدها .
وفي مساء نفس اليوم 31-5-1948, قامت القوات العربية والطائرات العراقية بهجوم آخر وقصف بالمصفحات والمدافع على مواقع اليهود في اللجون, الا انها فشلت ايضا في استردادها .
وجاء في الرواية الاسرائيلية لسقوط اللجون انه و"في 28-5-1948 جمعت القوات في قاعدة الهجوم- عين هشوفيط . وقد حددت ساعة الهجوم في ليلة 29-5-1948, الا انها ارجئت ليوم واحد , وذلك لعدم وصول القنابل للسلاح المساند وفي 30-5-1948 تحرك طابور من السيارات التي لم تضيء فوانيسها, على الطريق الترابية المارة من ارض الكفرين , وقد سار طابور السيارات هذا بهدوء وبحذر .
لقد كان التقدم بطيئا. الطريق ضيقة وكثيرة الالتواءات, تقطع اراض متروكه شهدت معارك طاحنة منذ مدة وجيزة.وفي ساعات الليل المتأخرة, سمع وبشكل مفاجىء دوي رصاص .لقد توقف الطابور. فقد اشتبكت قوات الطليعة اليهودية المهاجمة بقوات عربية قليلة العدد , الامر الذي ادى لفقدان الهدوء الذي ارادته القوات اليهودية, واجبارها على التحرك بسرعة. وكانت مناوشة قصيرة , استطاعت القوات اليهودية من الاستمرار على اثرها في التقدم نحو مواقع القوات العربية المتمركزة في تل الاسمر , وهي التلة المسيطرة على واد اللجون. وكانت القوات اليهودية التي وصلت الى هذا الموقع مع بزوغ الفجر , هي وحدة "براق", التي كانت مهمتها الاستيلاء على تل الاسمر .
لقد تمكنت القوات اليهودية من التقدم واحتلال ثلاث ثكنات عسكرية تقع على تلال "منسي بوزيقة" من الجهة الشرقية المشرفة على مجدو. لقد تمكنت القوات اليهودية من احتلال الثكنات رغم المقاومة . ونصبت القوات اليهودية السلاح هناك لمساندة الهجوم المرتقب على مجدو .
ومع اشراقة الصباح تلقت الوحدة اليهودية الامر باحتلال التل - حسب الكاتب - لقد كانت هذه الوحدة مشكّلة من خيرة المحاربين اليهود في منطقة السهل , لقد توغلت هذه القوات نحو الوادي واختفت, وكانت القيادة اليهودية تنتظر خائفة مما سيحدث .
الا ان الصمت المخيم في تلك الساعات, قطع باتصال لاسلكي من الوحدة اليهودية الى القيادة, مبشرا باحتلال التل دونما مقاومة .وهكذا تمكنت بقية القوة اليهودية المهاجمة من التمركز فوق التل, وبدأت بنصب اسلحتها وتحصين مواقعها . ونصبت قوة للدفاع عن المنطقة الاثرية.
لقد استعادت القوات العربية قوتها بسرعة. ففي تل الاسمر وفي ثكنة 323, بدأت القوات العربية هجوما نحو مواقع القوات اليهودية. هجوما من ثلاث جهات ادى الى مقتل جنديين وإصابة اربعة اخرين من الوحدة اليهودية, الامر الذي ارغمها على الانسحاب نحو موقع مرتفع, في جبال المنسي, عندها استطاعت القوة اليهودية من كبح جماح الهجوم العربي, والذي توقف كليا مع حلول ساعات العصر .
ان القوات العربية المدرعة المتقدمة من جهة جنين نحو اللجون, اربكت القوات اليهودية وادخلت الذعر في قلوب محاربيها, الذين خططوا مسبقا للانقضاض على مركز الشرطة في اللجون. عندها بدأت القوات اليهودية بالاتصال بكتيبة المدرعات المتقدمة من "شارع المسطرة" - شارع اللجون - العفولة - والتي اوعزت للقوة اليهودية المتمركزة في تل مجدو ان تتقدم نحو مركز الشرطة, بمساندة قصف مدفعي من المواقع القريبة لتل مجدو ان تتقدم نحو مركز الشرطة, وبمساندة القوة المدرعة المتقدمة على "شارع المسطرة".
الى هنا الترجمة عن المصدر العبري الذي وصف احتلال اللجون .
سقطت اللجون – جوهرة ام الفحم والمرج – بعد محاولات اهلها اليائسة للحفاظ عليها بامكانياتهم المتواضعة والبسيطة , ففي ظل غياب التنظيم والقيادة المركزية والجيوش المنظمة , او حتى هيئة ترعى شؤون المسلحين وتدفع لهم قوت يومهم لقاء دفاعهم عن قراهم والقرى المجاورة , لم تستطع القوى المحلية بقدراتها المتواضعة على مواجهة جيش ومنظمات معدة سلفا ومسلحة تمتلك اهدافا ووسائل لتحقيقها وقيادة مركزية توجهها . ومع هذا فان اهالي اللجون حاولوا بقواهم الذاتية شراء الاسلحة للدفاع عن قريتهم , حيث جمعوا الاموال وبعثوا رسولا عنهم لشراء الاسلحة , الا انها وبغالبيتها العظمى كانت اسلحة فاسدة صدئة , "سلاح عثملي" يعود لعهد الحرب العالمية الاولى , وقد شهد العديد من الاهالي على هذا الوضع , حيث روى لنا السيد مصطفى عسلية انه ومع ورود صوت الفزع لنجدة اللجون توجه بسلاحه "التومي جن", كغيره من المسلحين الفحماويين - لقرية اللجون استجابة للنجدة فقابل احد الفحماويين وقد رحل من اللجون ومعه سلاحه , ولما سأله عن رحيله بينما كان يمكنه الدفاع عن بلده بسلاحه , فرمى اليه السلاح قائلا : وهل هذا سلاح ؟ فقد كان متآكلا من الصدأ !!! اقوال ابو اكرم .
وقد استشهد العديد من المقاتلين والثوار والاهالي في معركة احتلال اللجون , عرفنا منهم :
1- حسن عبدالخالق محاميد
2- احمد حسين محاجنة .
3- يوسف احمد عبد الجواد .
4- الشيخ سليمان العيان .
5- كعبة الغزال ابو ناصر محاجنة .
6- فاطمة العودة .
7- حلوق ابو غزالة .(فزاع)
8- صابر الابراهيم الجمال .
9-سليم العويدات .
10-احمد عبدالله المسعود .
11-مصطفى محمد الكبهاوي .
12-رضا قاسم خشان - قتل على يدي قناص وشهد له بالشجاعة و"الجدعنة".
13- صالح عبد الرحمن الخطيب - من المنسي .
14-حسن عبدالله الحواشين - من المنسي .
15- حمود السليم الحمود من المنسي .
16-حمزة محمد قاسم خشان .
17- فارس اليعبداوي .
18- فهد حسن مفلح الموسى .
رحل اهالي اللجون مكرهين باتجاه ام الفحم والقرى المجاورة , لتتكرر مناظر المأساة الانسانية التي عمت ربوع فلسطين وقراها جراء التهجير القسري والترحيل بقوة السلاح , مرفقة بالعديد من حالات الظلم والاضطهاد والقهر , ومنها , بل وعلى رأسها نسيان الولد في المهد و"الحظل" كما حدث في حالات فلسطينية عديدة – في حيفا وفي قرى الساحل الفلسطيني , فقد روى السيد فايز يوسف عبد الجواد محاجنة قصة نسيانه رضيعا في البيت وهروب اهله من اللجون فقال :
"كان ذلك يوم الهجوم على اللجون , حيث أخذ اليهود يطلقون النار على القرية , وبسبب حالة الذهول والفزع , حملت والدتي رحمها الله الوسادة بدلا مني , حيث كنت رضيعا في ذلك الوقت , وعمري سنة , وحدثتني والدتي فيما بعد انها اختبأت من الرصاص ونساء من اللجون في مغارة , وفي المغارة سألتها احدى النساء اين رضيعك ؟ فذهلت عندما اكتشفت انها نسيتني وهمت بالعودة الى القرية لاحضاري , انا الطفل الرضيع , وفي طريق عودتها , التقت بوالدي فأخبرته بالامر وقد هرع والدي الى بيتنا في اللجون , ورغم الخطر الذي كان محدقا في تلك الايام , الا انه تمكن من انقاذي واوصلني الى والدتي التي كانت تنتظر على احر من الجمر ان ترى رضيعها المنسي , وبعد ان سلمها الطفل عاد والدي الى القرية برفقة المقاتلين للدفاع عن القرية حيث سقط شهيدا رحمه الله ."
سقطت اللجون, وجاءت الهدنة الاولى- الهدنة القاتلة - , وتوقف القتال ليتجدد مرة اخرى مع مطلع شهر تموز 1948, عندها بدأت القوات العراقية المرابطة في منطقة جنين تأخذ دورا اكثر فاعلية من ذي قبل , وفي كثير من الاحيان بمبادرة محلية من القادة انفسهم دون اوامر او معرفة القيادات العليا وخاصة قيادة الجيش العربي- جلوب باشا- الذي كان رسميا بمثابة المسؤول عن تحركات الجيوش العربية وخاصة العراقية .
محاولة استعادة اللجون 26-10-1948:
تشير المصادر الاسرائيلية الى قيام العرب والفحماويين بعدة محاولات لاسترداد اللجون , ففي احد تقارير الجيش ورد ان استنفارا عاما وانتشارا واسعا للقوات المحلية والقوات العراقية أُعلن في منطقة ام الفحم في 23/8/1948 استعدادا للهجوم على اللجون , ويضيف التقرير ان هجوما محدودا وقع هناك واصيب فيه احد قادة الفصائل الفحماويين – المناضل علي الفارس بجراح , وفشلت هذه المحاولة وانسحب العرب من جديد .
وكانت المحاولة الثانية, بعد عدة ايام من انسحاب القوات العراقية من ام الفحم الى برقين في 22/10/48 , مبقية وراءها قرابة 40 جندياً بقيادة نجيب حبوش , حيث تم الاتفاق بين القادة المحليين والقادة العراقيين على القيام بعمليات التحرير , وسيحصلون على مساندة الجيش العراقي سرا.
ويفيد تقرير سري للجيش الاسرائيلي ان وفدا فحماويا التقى القائد العراقي صالح زكي في جنين مطالبا اياه بتعجيل استعادة اللجون قبل موسم الامطار , مهددا بتسليم ام الفحم لليهود اذا ما تم ذلك . ويؤكد الحاج رمزي محاميد ان الاجتماع تم في مقر القوات العراقية في مدرسة ام الفحم التي وصلها صالح زكي واجتمع برجالها وقال ردا على طلباتهم بتوفير السلاح ومساعدتهم على استعادة اللجون قال :"يا اهالي ام الفحم نصيحة مني وياكم احتفظوا بسلاحكم وعتادكم , لا تطلقون طلقة الا برأس ادمي , لا تتوكلون على الدول العربية , ولا على جامعة الدول العربية و دول عربية جامعة عرب خيانات , ادب سيز نمو سز ".....ثم غادر ام الفحم – اقوال ابو فاروق .
ويروي السيد سامي مصطفى الاحمد من عرابة - الذي منحته القوات العراقية رتبة ضابط فخري ابان حرب 1948- انه اجتمع ورفيقه فوزي جرار مع القائد العراقي صالح زكي, وتحادثوا حول "طرد اليهود من القرى العديدة التي استقرت بها القوات اليهودية"(شرق وشمال جنين) , فقال لهم : ليس بيدي طلقة واحدة لاتصرف بها, اقول لكم وهذا سر اعهده بشرفكم الا يذاع, هيئوا المناضلين واقتحموا هذه القرى وسترون ان المدفعية (العراقية) قد دكت مواقع اليهود قبل ان تصلوها وسيكون مع كل جماعة منكم جنود عراقيون حاملو الرشاشات الثقيلة , وعند استفسار القيادة عن الحادث اقول انكم اشتبكتم مع اليهود دون علمنا فأضطررنا لمساعدتكم ..."
ويضيف سامي الاحمد في مقام آخر ان صالح زكي جمع المئات من المقاتلين الفلسطينين, ليقول للقيادة ان الفلسطينين هم الذين قاموا بهذه العمليات (لاسترداد اللجون) والجيش لا يستطيع التخلي عنهم”.
وفعلا, ففي 26-10-4819 هجم ثوار ام الفحم يساندهم ثوار من منطقة جنين ونابلس , بلغ عددهم قرابة 200 مقاتل , على اللجون في محاولة لاستردادها, وهم على يقين هذه المرة -"خلص" - سوف يتم تحريرها على حد قول السيد كامل يوسف محمد محاميد .
وعن هذا يقول السيد محمود محمد قاسم محاميد : "كان عمري 17 عاما انذاك , وجاء الاعلان ان الهجوم لاستعادة اللجون بات وشيكا , وتحرك المقاتلون ومعهم والدي , وذهبت انا بدون سلاح وتوجهت الى البياضة لاخذ السلاح والذخيرة على الحمير من الجيش العراقي لايصاله للمقاتلين في تل الاسمر" .
"وبدأت المدفعية العراقية بقصف قلعة مجدو من موقع ارض “النخيلية” قرب قرية زبوبا على بعد 7 كيلومترات من مجدو (اللجون) , وبدأ اندفاع المقاتلين الفلسطينيين نحو القلعة يرافقهم الضباط والجنود العراقيون حاملو الرشاشات تتقدمهم المصفحات التي شاهدتها بنفسي تلتف حول القلعة ", بهذه الكلمات يصف السيد سامي الاحمد بداية الهجوم الفحماوي والعربي لاستعادة اللجون .
ويتابع : "وكانت مقاومة المقاتلين اليهود المتحصنين فيها عنيفة للغاية بحكم موقعها الاستراتيجي حيث النيران المنطلقة منها كالرعد تصم الاذان ولهذا قرر صالح زكي محاصرتها لتخف المقاومة , وبينما كان هذا القائد يقف خلف صخرة والغضب يطفح من وجهه لاستعادة القلعة التي ستصبح مركزا هاما متقدما للقوات العراقية واذا بسيارة جيب عسكرية مسرعة تصل المكان ويخرج منها نقيب يؤدي التحية للقائد ويسلمه برقية ... اصفر وجهه وارتجفت يداه بسببها .. تقول البرقية :
" من القيادة العامة الى العقيد زكي: اوقفوا القتال عودوا الى مراكزكم انصحوا المناضلين بالانسحاب واذا رفضوا اتركوهم وشأنهم ... من اصدر الامر بمهاجمة قلعة مجدو ؟! نفذوا الاوامر فورا !!
"عندها تراجعت المصفحات من القلعة وسكتت المدفعية وانسحب الفلسطينيون بصورة محزنة خاصة وان الاراضي الواسعة وقرى ام الفحم, اللجون, زلفة والمنسي, الواقعة حول القلعة تعود ملكيتها لهؤلاء المقاتلين الذين نزحوا عنها في بداية الحرب" .
ويؤكد الحاج كامل يوسف محاميد هذه الاقوال ويضيف ان سيارة جيب عراقية وصلت المنطقة , وطلب قائدها وقف النار لانه : "ماكو اوامر " بالهجوم .
ويؤكد اهالي ام الفحم واللجون اقوال السيد سامي الاحمد جميعها, ويضيفون ان الثوار انسحبوا وقد وضعوا السلاح (البارود) على اكتافهم جاعلين مقدمة البندقية (بوز البارودة) باتجاه الارض, دلالة على الحزن والحداد.واثناء انسحابهم اخذت القوات اليهودية تطلق القذائف باتجاههم ,"وطبعا نحن ممنوعون من الرد ... ماكو اوامر".
ويلخص السيد محمد موسى حسن غزيل توقف هذا الهجوم بقوله:
"سمعنا انه جاء امر بالتراجع,(القوات) العراقية طبعا تحت امرة عبد الله (ملك الاردن) وعبد الله تحت امرة الانجليز ...!!!
وفي هذه المقولة انشد الفلسطينيون :
ماكو اوامر ماكو عتاد عبد الله سلم البلاد
اما في انسحابات الجنود فقد انشدوا :
الله محيي هالشباب رز ولحم وانسحاب
وقد اكد بن غوريون وقوع هذا الهجوم قائلا انه تم صد هجوم على اللجون.." على الرغم من ان 18 مدرعة عراقية اشتركت فيه :" انهم يعلنون فشلهم ".
(المعلومات اعلاه عن كتاب "ام الفحم واللجون – رحلة عبر الزمن لمؤلفه وجدي حسن جميل – ام الفحم )

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

وفاة الطفل احمد نعمان علي اخو عيد اغبارية بعد صراع مع المرض. إنا لله و إنا إليه راجعون https://t.co/MeErV1KqyU 12/07/2019 - 20:16
حملة التبرع بالدم معا ننقذ احمد الاشخاص مع نوع دم AB- الرجاء التواصل مع عبد الله جبارين:0503603852 احمد محاميد: 05… https://t.co/V5dWf7xFsQ 12/02/2019 - 23:01
: قوات من الشرطة والمخابرات تقتحم منزل القيادي الدكتور سليمان بزعم التفتيش عن مواد تتعلق بمنظمة "محظورة" https://t.co/2zj2OEE6Lp 11/25/2019 - 15:31
بتهم التحريض على “الإرهاب” وتأييد منظمة “محظورة”: محكمة إسرائيلية تدين الشيخ في “ملف الثوابت” https://t.co/pLN7ZF6Fux 11/24/2019 - 13:09
الشيخ في طريقه الى قاعة الجلسات لسماع النطق بالحكم، والسماح لـ 25 شخصًا فقط الدخول مع الشيخ لمساندته. https://t.co/9bzfIkjtfj 11/24/2019 - 10:51