الراصد المتفائل (103) المطلوب في قضية العنف

الشيخ رائد صلاح - رئيس الحركة الاسلامية في الداخل الفلسطيني

نقاش دائم نحو علاج دائم

1. بداية أؤكد أنه سَرَّني أن يثير الأستاذ وديع عواودة نقاشا حول مقالتي التي نشرتها بعنوان "المطلوب ترحيلنا عن طريق العنف" وهذا هو المطلوب!! أن تحول قضية العنف إلى نقاش دائم نحو الوصول إلى علاج دائم.ومن هذا الباب أرحب بهذه المقالة التي جاءت بعنوان "رسالة للشيخ رائد صلاح" والتي نشرتها صحيفة (حديث الناس) في تاريخ 15/1/2012م. وأؤكد سلفا أنها تحمل من الفوائد الشيء الكثير لي شخصيا ولكل قارئ منصف. فتحية تقدير لك يا أستاذ وديع.

2. ولأننا في معرض نقاش فالمتوقع ألا يوافق بعضنا بعضا بكل ما يكتب أحد الأطراف. ولذلك أوافق الأستاذ وديع عواودة على الكثير مما ورد في مقالته، وفي نفس الوقت أعارضه ببعض فقرات هذه المقالة، وما أعارضه فيه قليل جدا.

3. فأنا لم أرجح كفة الأسباب الخاصة بالمؤسسة الإسرائيلية على كفة العوامل الذاتية المتعلقة فينا في قضية العنف، بل ما زلت محذرا أن المؤسسة الإسرائيلية –على أقل تقدير- تتقن فن استغلال ظاهرة العنف فينا وتؤجج نارها بهدف تفكيك مجتمعنا بداية، ثم تمهيد الطريق لترحيلنا. وحاشا لله أن أتعاطى مع هذه القضية وفق "ذهنية المؤامرة"، وأنا لم أرجح "مزاعم مؤرخين" بأن الحركة الصهيونية تقف خلف الثورة الفرنسية أو خلف إسقاط الخلافة الإسلامية، بل لا زلت أقول –بناء على دراسات كثيرة- إن هذه القضية محل نقاش بين المؤرخين. وهناك من يذهب إلى الجزم بأن الحركة الصهيونية صنعت هذه الأحداث، وهناك من يذهب إلى الجزم أنها أتقنت فن استغلال هذه الأحداث. وأما القول حول "الخلل الكرنولوجي"، بمعنى أن الثورة الفرنسية سبقت الصهيونية بعقود فهو قول بحاجة إلى تدقيق تاريخي!! فإن كنت يا أستاذ وديع تقصد صهيونية هرتسل وبن غوريون ودزرائيلي وجيبوتنسكي ومن لف لفيفهم فأنت صادق، ولكنّ لهذه الصهيونية جذورا سبقت هؤلاء الأشخاص، وهناك من نَظَرَّ لها قبل ذلك وهم بالعشرات وأسماؤهم ليست سرية، وهي مدونة في كتب التاريخ المعاصر، ومنهم من عاصر الثورة الفرنسية وكان له أتباع، بل كان له "منظمات ناشطة". وهذا ما طرح قضية الثورة الفرنسية على طاولة النقاش بين المؤرخين وحول دور هؤلاء المنظرين وأتباعهم ومنظماتهم فيها. وأنا شخصيا قرأت عن ذلك الشيء الكثير، ولذلك لا يوجد محل لما سميته "الخلل الكرونولوجي".

4. ثم أنا لا أوافقك القول إن الحركة الإسلامية وكأنها تعمدت أن تعلن مشروعا لعلاج ظاهرة لعنة العنف في مؤتمر صحفي بدلا من إنجاز ذلك بواسطة "المتابعة"، بل على العكس تماما. فنحن الذين لا زلنا نصر على ضرورة التعجيل ببناء لجان المتابعة بهدف أن تأخذ دورها فورا، ومن ضمنه التصدي للعنة ظاهرة العنف التي تعصف بنا. ولكن في نفس الوقت لا يعقل أن نبقى مكتوفي الأيدي إذا ما تأخر بناء هذه اللجان بينما لا تزال لعنة العنف تستشري فينا، فبدأنا لأنه كان ولا يزال من الواجب أن نبادر.وكان ولا يزال من الواجب أن نضم جهدنا فورا إلى جهد لجنة المتابعة عندما يأتي قريبا بإذن الله تعالى بناء لجان المتابعة، والتي من ضمنها من ستتحمل تبعة التصدي للعنة العنف، فسنكون جزءا منها وسيكون دورنا جزءا من دورها. وأما قولك حول مشروع الحركة الإسلامية لمواجهة لعنة العنف إنه لم يبق منه سوى خبر في الصحف ما زالوا يبحثون عنه على أرض الواقع، فقد استعجلت جدا بهذا التقييم. وأنا أعدك أن أرسل لك مذكرة تبين إلى أين وصل هذا المشروع، وآمل أن تعجبك. وأنا على يقين أنك ستجد فيها مادة إعلامية تصلح لنشرها في صحيفة "حديث الناس".

5. ثم أوافقك القول إنه "لا يجوز تعليق الخطر على الحبال السلطوية فحسب". وأوافقك القول إن "ما ينقصنا مشروع متكامل ووحدوي لا يقتصر على إطفاء الحرائق". وأوافقك القول "إن هذا المشروع المتكامل الوحدوي المطلوب يحتاج منا ما يتجاوز التشخيص والوعظ والعمل الفرداني". نعم هذا كلام سليم بامتياز، لذلك أتمنى عليك وعلى كل غيور من أهلنا في الداخل الفلسطيني أن نبقي قضية العنف محل نقاش دائم بيننا حتى نصل إلى العلاج الدائم لهذه القضية، وأتمنى على كل غيور أن نتجاوز التشخيص فعلا أو الوعظ بكل أشكاله سواء وعظا صحفيا أو غيره، وأن نتجاوز العمل الفرداني نحو تفكير جماعي يبحث عن الحل، ونحو سلوك جماعي يلتزم تطبيق الحل وإن كان طويلا وشاقا ومحفوفا بالأخطار.ولذلك كم يفرحني أن يواصل الأستاذ وديع عواودة الكتابة في هذا الموضوع بلا توقف وإفادتنا بما لديه من أفكار واعدة تسهم في تحديد الحل الدائم للعنة العنف.

6. ثم كم أتمنى أن تنبري عشرات الأقلام للكتابة عن لعنة العنف على قاعدة "نقاش دائم حول العنف بهدف الوصول إلى علاج دائم". وأنا اربأ بنفسي وبكل غيور من أهلنا في الداخل الفلسطيني أن نكتب عن لعنة العنف على قاعدة "أنا الفرد الفلاني بريء والباقي متهمون في قضية العنف".. أو "أنا الحزب الفلاني بريء والباقون متهمون في قضية العنف".. فكم أحزنني عندما قرأت بعض المقالات في بعض صحفنا الأسبوعية؛ سواء كانت محلية أو قطرية، راح بعض أصحاب هذه المقالات يتهم "لجنة المتابعة" أو يتهم "الحركة الإسلامية" أو يتهم بعض "بلدياتنا ومجالسنا المحلية" أنها هي المسؤولة عن انتشار لعنة العنف فينا. فلا يمكن فهم مثل هذه المقالات إلا أنها محاولة من أصاحبها للهروب من تحمل المسؤولية، سواء كان فردا أو حزبا أو صحيفة، والاكتفاء بإلقاء التهمة على الآخر!! وهكذا ظن أصحاب هذه المقالات أنهم أنهوا دورهم عند حد كتابة هذه المقالات بما هو مطلوب منهم للتصدي للعنة العنف، وهذا فهم محزن ومرفوض ولا محل له من الإعراب.

7. ولذلك حدث وأن كنت في بيت عزاء في مدينتنا أم الفحم فراح شاب مهذب يتحدث بأدب جم عن مخاطر لعنة العنف وعن الدور المطلوب، فلما أنهى حديثه وهممت بالخروج من بيت العزاء تقدمت منه ورجوته أن يبعث لي رسالة يفصل فيها ما لديه من أفكار عملية تسهم في علاج ظاهرة العنف، فوعدني خيرا وأكد أنه سيرسل رسالة خطية يبين فيها اقتراحاته لعلاج لعنة العنف، ثم التقيته مرة أخرى في بيت عزاء آخر فذكرته أني أنتظر منه رسالة، فأكد وعده مرة ثانية، وأنا على يقين أنه لن يغفل عن وعده وسيرسل هذه الرسالة. لماذا أقول ذلك؟! لأنني أتمنى على كل من سيقرأ هذه المقالة ألا يكتفي بقراءتها فقط، بل أتمنى عليه أن يكتب لنا ويبين لنا ما هي الاقتراحات التي ينصح بها من أجل الإسهام في علاج لعنة العنف.والأفضل أن يكتب مقالة وينشرها في إحدى صحفنا حتى يستفيد الجميع منها. فمن الخطأ أن يقف الواحد منا من ظاهرة لعنة العنف موقف المتفرج فقط، أو موقف من يبرئ نفسه ويتهم الآخر، أو موقف من يصف أسباب هذه الظاهرة فقط، أو موقف المساهم بدور جزئي في علاج هذه الظاهرة فقط.

8. أنا اقترح على كل صحفنا في الداخل الفلسطيني أن يتسع صدرها وأن تفتح الباب لنقاش راشد ومسؤول حول كيفية تحديد علاج لعنة العنف فينا، ليس لأسبوع واحد فقط، بل أتمنى أن يبقى هذا النقاش دائما حتى نصل إلى حل دائم، وإن كان طريق الوصول إليه – كما قلت – طويلا وشاقا ومحفوفا بالأخطار. وأتمنى على إذاعة الشمس أن تخصص حوارا مفتوحا على الهواء أسبوعيا على الأقل حول كيفية تحديد علاج لعنة العنف فينا، وأن تستضيف من تشاء في كل أسبوع حتى يقول ويسمع، وحتى نستفيد جميعنا.

9. أنا أقترح على كل أحزابنا وحركاتنا ومؤسساتنا في الداخل الفلسطيني أن تفتح باب نقاش داخليا في أطرها التنظيمية وأن تعقد لقاءات متواصلة مع أكبر عدد من أهلنا في الداخل الفلسطيني، كي نصنع موقفا متماسكا جماعيا قويا يكره العنف ويرفض العنف ويرفض مثيري العنف. وفي المقابل كي نصنع موقفا متماسكا جماعيا قويا يحب التسامح ويدعو إلى التسامح ويناصر دعاة التسامح. ثم نواصل سويا إعداد برنامج علاج جماعي طويل النفـَس للعنة العنف فينا.

10. أنا أقترح على كافة مركبات لجنة المتابعة أن نجلس في أقرب وقت ممكن وأن نفكر سويا، تفكير المسؤول الغيور على مصير مجتمعنا في الداخل الفلسطيني، وأن نتفق على إقامة هيئة منبثقة عن لجنة المتابعة تـُعنى بمتابعة علاج ظاهرة لعنة العنف فينا، وأن تخول هذه الهيئة بهذا الدور بموافقة كل مركبات لجنة المتابعة ومباركتها ودعم الجميع لها سلفا بكل ما ستقوم به من خطوات. وغني عن البيان أو التأكيد أن هذه الهيئة ستمثلنا في الحركة الإسلامية، وسنعمل من خلالها على معالجة لعنة العنف فينا.

11. وأنا شخصيا كتبت عن ظاهرة لعنة العنف فينا عشرات المقالات قبل ذلك، وكتبت مذكرة مطولة –لم تنشر- مجتهدا طوال الوقت أن أتجاوز مرحلة تشخيص أسباب لعنة العنف إلى تحديد برنامج عمل لعلاج ظاهرة لعنة العنف، وكل ما كتبته قابل للنقاش وقابل أن يؤخذ به أو ويرد.وهذا أمر صحي وطبيعي، ولكن المهم ألا نكتفي بالصمت وإلا فقد يصدق فينا قول الرسول الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: "الساكت عن الحق شيطان أخرس". ويشرفني سلفا أن أضع كل ما كتبت بين يدي هذه الهيئة المنتظر ميلادها والمرجو أن تقيمها لجنة المتابعة في أقرب وقت ممكن.

12. وسلفا أقول:لا عذر لأحدنا أن يصاب باليأس أو الشلل أو الإحباط في مواجهة هذه الظاهرة "لعنة العنف".ولا عذر لأحزابنا وحركاتنا ولا للجنة المتابعة أن نقف موقف العاجز الذي لا حول له ولا قوة ولا دور في مواجهة هذه الظاهرة "لعنة العنف". فالمطلوب أن نعمل وأن نعمل وأن نعمل. وما أجمل موقف ذاك الطائر الذي رأى أن الغاب الذي ولد فيه وترعرع فيه قد شبت فيه نار مسعورة وراحت تأكله فلم ييأس من هول هذا المنظر، ولم ييأس عندما رأى أن جميع حيوانات الغاب قد فرت وتركت الغاب يحترق فراح ذاك الطائر ينقل بمنقاره الصغير حبيبات الماء من جدول ماء قريب ثم راح يصبها على النار المسعورة فقيل له: أوتظن أنك بهذه الحبيبات ستطفئ هذه النار المسعورة؟ فقال: لا... ولكن أقوم بواجبي.

يتبع

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 28 - 20 09/25/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 28 - 20 09/24/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 27 - 19 09/23/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 29 - 21 09/22/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 29 - 22 09/21/2017 - 10:01