بين عيلوط وأم الفحم: عرس ومأتم، ألم وفرح وأريحية

توفيق محمد - رئيس تحرير موقع فلسطينيو48

يقف المرء أحيانا حائرا ماذا سيكتب ، وما مدى تأثير الذي يكتبه على المجتمع من عدمه ، بل إن الواحد منا أحيانا تختلط عليه الأمور وتتزاحم عليه المواضيع فيجد الكثير مما قد يكتب عنه وأحيانا أخرى يجلس أمام القلم والقرطاس أوقاتا لا يعلم ماذا يخط وماذا يكتب ، وقد كنت قديما وما أزال ممن يتبنون الرأي القائل إن لم تجد ما تكتب عنه ، فلا تفعل ولا تتكلف الكتابة لأنها ساعتئذ ستكون صادرة من فراغ ولن تنزل إلا على ارض مرتوية لا يمكنها أن تستوعب ما كتبت ، أما إن كانت صادرة من الم حقيقي أو أمل حقيقي أو فكرة متغلغلة فلا شك أنها ستكون نازلة على ارض ظمأى متعطشة مستعدة أن تستوعب الماء المراق إليها ، والكتابة ساعتئذ ستكون سهلة ميسرة سلسة كما يكون نظم القصيدة للشاعر الذي تلبسته الفكرة والمشاعر تلبسا فلم تترك له حالا إلا أن يخط ما اكتظ به الوجدان من مشاعر وأحوال ، على خلاف ذاك الذي يتكلف أن ينظم ما لا يشعر به ، واعلم أن الشعراء تستفزهم القصيدة أحيانا من نومهم فيقفزون عندما تحضرُهم إلى القرطاس خشية تفلتها .

حقيقة كنت قد عزمت أن اخذ قسطا من الراحة في هذا الشأن خاصة وقد أصبحت الأوقات أضيق من الالتزامات، أو لسبب لست أدريه ، وقد أدام أخي رئيس تحرير موقع فلسطينيو 48 الأستاذ رائد رفيق مطالبته إياي أن اكتب مقالا للموقع منذ مطلع الأسبوع الحالي لكن الأوقات لم تسعفني ، فلم افعل .

لكنها الوقائع تستفزك أحيانا دونما تخطيط منك أو تهيئة ، فتجد نفسك ملزما تجاه اهلك بان تؤدي ما ائتمنك الله عليه من مهارة أو فكرة أو رسالة ، وقد صادفتني مؤخرا كثير من الحالات من الأهل والإخوان والقراء الكرام كانت تمثل وقودا ، بل دافعا يستحثني على الكتابة دونما تملص بضيق وقت أو انشغال ، وقد كان بعضها من احد أهلنا الكرام وهو ليس من الحركة الإسلامية في أسبوع من الأسابيع لم اكتب به شيئا فعاتب ولام وأغلظ القول علي لأنني تكاسلت ، وكان مما قاله أن على حملة الأقلام ، ولا يهمه من أي اتجاه سياسي هم ، أن لا يبخلوا على أهلهم وقرائهم لأنهم وفق ما قال ملزمون بذلك ، فهم الذين يجلبون خلاصة متابعة أو دراسة أو اطلاع إلى الجمهور ومن كتاباتهم تتشكل الآراء ، وقد قالها الأخ ببساطة متناهية لكنها حقيقة هي إحدى أهم وظائف الإعلام التي اصطلح عليها علماء الإعلام في العصر الحديث ، وقد كان كلامه دافعا ومحفزا للاستمرار .

وقد كنت قبل أيام قليلة في طريق العودة من المسجد إلى البيت وإذ بمدير إحدى المدارس الابتدائية وهو ممن أحب واقدر يستوقفني في وسط الطريق ويحثني على المزيد من المقالات التي تستحث كوامن الخير في المجتمع مستشهدا بما كتبت عن حالات الخير في مجتمعنا في مقالي الأخير الذي جلبت فيه عددا من قيم الخير المتأصلة في النفوس عبر استجلاب عدد من الحالات في عيلوط وام الفحم ومنطقة الغابة وكان تحت عنوان "مظاهر الخير غلابة" ، وأيضا كان لكلام أخي الفاضل هذا المدير الأثر الكبير علي َّ الذي ما يزال يستحث الهمة والإرادة والاستمرار .

أول أمس سمعت صوت ارتطام ففتحت نافذة مكتبي وإذ بسيارتين قد اصطدمتا وكان الضرر – بحمد الله – بسيطا ، ترجل السائقان من سيارتيهما ونظر كل منهم إلى الضرر الذي لحق بمركبته ثم تبادلا جملا بسيطة من قبيل " الحق عليك كان يجب أن تفعل كذا ... " ثم تصافحا بمحبة وذهب كل منهم بطريقه يدعو للآخر ووالله كان لهذا المنظر بالغ الأثر الجميل في نفس كل من شاهده فبارك الله بالسائقين وكثر من أمثالهما.

أما الحدث الأبرز الذي دعاني لكتابة ما اكتب الآن حقيقة وليس دونه شيء ، واعلم أن هناك من سيظن أنني كتبت الذي كتبت أعلاه ليقال .. ولكن الحقيقة التي دفعتني إلى ذلك ، وليس سواها شيء أبدا هي ما حدثتني به زوجتي مساء أول من أمس بعد أن عادت إلى البيت من بيت عزاء في طفلة توفيت في حادث طرق مؤسف ، حيث أن الرجل الذي ابتلاه الله بحادث الدهس قد اخذ اللوم من نفسه كل مأخذ خاصة وهو الرجل الرزين الشهم ، وقد احتبس نفسه في بيته لا يخرج إلى الناس حزنا على الطفلة وضيق صدر من الحادث فما كان من أهل الطفلة المتوفاة إلا أن زاروه في بيته وشجعوه وقالوا له إن هذا قدر الله، وقدر الله غلّاب وعلينا أن نرضى به جميعا, وهكذا طووا صفحة من الألم والوجع وألَّفوا القلوب على المحبة من جديد.

وفي نفس الحدث لنفس عائلة الطفلة المتوفاة كان لصهر جد الطفلة الذي دفن حفيدته من قريب عرس فما كان من ابنته - وهي أخت فاضلة وكريمة – إلا أن قالت لوالدها ، ووالدها من هو ؟ انه الرجل الفاضل الخيّر تعرفه كل مآتم المنطقة واعظا وأخا حبيبا ، ألا تذكر المقال الذي قراناه عن أهل المأتم في قرية عيلوط الذين دفنوا عزيزهم وتوجهوا للعرس ، وأبوا إلا أن يبدأ أهل العرس عرسهم قبل أن يبدؤوا هم طعامهم وهكذا كان ، فقام هذا الجد الثاكل الفاضل واصطحب معه من اصطحب إلى أنسبائه وطلب منهم أن يستمروا في عرسهم كما كان مخططا له حتى لا يفسد فرحة الأقرباء والأحبة مع ما يعتمل القلب من مشاعر الحزن والألم . إنها مظاهر الخير الكامنة فينا (يا أبو خالد العم مصطفى العال صاحب القصة) يجب أن نستنهضها من غفلتها ومن سباتها ، ويجب أن نطلق لها العنان ويجب أن نكتب عنها دائما حتى تسود الموقف وحتى تخرس أبواق الشر ، وعلى إعلامنا وكتابنا كما أنهم يجيدون الكتابة إزاء كل حدث مؤلم صغر أم كبر أن يجيدوا أيضا تشجيع مظاهر الخير ، وصدقوني هي أكثر مما نتصور وأعظم ، فقط افتح نافذة بيتك وانزع عن عينيك النظارة السوداء وستجد أمامك عالما من الخير والايجابية فشجعه ولا تبخل ، أما أولئك الذين يأبون إلا أن تضخم مقالاتهم الأحداث والمصائب – ووقوعها في المجتمعات قديم قِدَمَ الخليقة – فليس لنا إلا أن نقول لهم اتقوا الله فينا وفي مجتمعنا.

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 15 - 7 03/05/2019 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 14 - 7 03/04/2019 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 16 - 8 03/03/2019 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 12 - 6 03/02/2019 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 13 - 8 03/01/2019 - 10:00