"الحقّ معي": وصفة مدمرة والحكمة منجية

توفيق محمد - رئيس تحرير موقع فلسطينيو48

كان ذلك ظهيرة احد الأيام من الأسبوع الماضي بينما كنت على عجلة من أمري لاقتراب موعد ضرب لي في مدينة الناصرة وأنا ما أزال في أم الفحم ، وبينما كنت في طريقي إلى ذلك ، وإذ بسيارة تغلق الطريق الذي من المفترض أن أمر منه ، بينما سائق السيارة يدور حول سيارته ويتفحص أطرافها كمن يبحث عن ضائعة ، أو كمن تعرضت سيارته من لحظات لضربة ما ، وقفت خلف سيارته بهدوء مطلق دون أن افعل شيئا ، فنظر إليَّ نظرة ثم نقلها إلى حيث كان ينظر سابقا تدور عيناه في الحيز كله تبحث في حيرة من أمرها ولوعة عن ضائعتها.

وضعت رأسي بين كفيِّ في هدوء وتساءلت بيني وبين نفسي لماذا لم يتوقف هذا السائق على يمين الشارع أو على يساره خاصة ، وفي الشارع متسع لذلك ، وليبحث عندها عن ضائعته ساعات وساعات ولن يحجز المرور ولن يضيق على الناس أمورهم ، وبينما الأفكار تتضارب في ذهني رأيت تحت السيارة قطة صغيرة حديثة الولادة تختبئ عند العجل الأيمن الخلفي والسائق يحاول إخراجها مرة من الأمام ومرة من الخلف ، فإذا أتاها من الأمام هربت إلى الخلف ، وان أتاها من الخلف هربت إلى الإمام ، تحوقل السائق وبحث في الشارع فوجد علبة ورقية كبيرة أخذها وأتى بعصا ، ثم انتصب أمامي وقال : " هذه القطة الصغيرة ضائعة إن لم أنقذها من هذا الوضع واحملها بعيدا عن الشارع فسوف تدهسها السيارة القادمة دون أن يراها سائقها " ثم واصل عمله يريد أن يجعلها تقفز باتجاه العلبة الورقية ليأخذها بعيدا عن الخطر ، وفعلا قفزت القطة لكنها استقرت على الجسر الواصل بين العجلين الخلفيين ، فتحوقل السائق ثانية وتوجه إلى مقود السيارة فقام بإزاحتها إلى يمين الشارع ببطء شديد حتى لا يضر بالقطة ، أما أنا فقد استأنفت طريقي لأنني كنت على عجلة من أمري ، هذا مظهر من مظاهر الخير التي تكمن في القلوب وتتجلى رحمة بالبشر وسائر المخلوقات وهي أصل في الناس لا طارئا.

في الحقيقة سرت وصورة المشهد عالقة في ذهني وقد قررت أن أوثق هذا المشهد لما فيه من قيمة إنسانية عليا تحلى بها هذا السائق الشهم الذي عمل جهده حتى ينقذ قطة صغيرة –من كان يأبه لها- من الموت تحت عجلات السيارات ، وبدا عليه القلق والانشغال والانفعال لهذا المخلوق الصغير ، عندها تذكرت حديث رسول صلى الله عليه وسلم : عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( عُذّبت امرأة في هرّة ، سجنتها حتى ماتت ، فدخلت فيها النار ؛ لا هي أطعمتها ، ولا سقتها إذ حبستها ، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ) متفق عليه. ثم تذكرت حديث النبي صلى الله عليه وسلم : " بَيْنَا رَجُلٌ بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ فَقَالَ الرَّجُلُ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَا خُفَّهُ مَاءً فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّه وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا فَقَالَ فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ" ، وما زلت أتذكر ذلك حتى قفزت إلى ذهني بعض الصور والممارسات التي نراها كثيرا في شوارعنا والتي تزعج المارة من المشاة والسائقين والناس أجمعين ، بل إنها تشكل خطرا على حياة الناس والمجتمع، فبعض أولئك وهم غالبا من السائقين الجدد أو الشباب ممن لا تراه خلف المقود لأنه يستلقي على كرسيه كمن يستلقي على سريره، ويسير في الشارع بسرعة جنونية، بل تراه أحيانا يتجاوز عن اليمين وأحيانا عن اليسار وأحيانا يلتصق بسيارتك التصاقا لا يبعده عن أن يتسبب بحادث طرق سوى دعسة بسيطة على الفرامل تضطرك إليها ظروف الطريق، وهو بالتصاقه هذا كمن يقول لك أسرع يريد أن يأكل الطريق أكلاً، وإذا ما سنحت له فرصة تراه يتجاوز سيارتك بسرعة جنونية، فيما قهقهات منه ومن أصحابه تملأ المكان كالذي حصل على "راس غليص" وفاز بجائزة كبيرة، لا يدري هذا المسكين ان عمله هذا محتقر في أذهان الناس كل الناس حتى اولئك اشباهه ممن يأتون الفعل ذاته.

ايها الشباب نحن نعلم انكم تحبون السياقة وترون انها تشبع حاجاتكم النفسية، وتجدون انفسكم وانتم خلف المقود، ونحن ايها الشباب نحبكم ونريد لكم الخير كل الخير، وأنا ونحن نكتب بعض كلمات قد تكون شديدة الوقع على اسماعكم فهي لأننا لا نريد ان نحمل احدكم او احدنا على الاكتاف بعد اذ تسبب تهور سرعة من احدكم بموته، نحن نريد الخير لنا ولكم ونعتبركم عدة المستقبل ، مبروك عليك الرخصة ومبروك عليك العجلات العريضة، ومبروك عليك الـ"معريخت"، لكن كل ذلك لك ولك وحدك استمتع به انت وحدك لا تشركنا بها، نحن يكفينا ان تركب سيارتك وتنجز مهامك وتعود الى اهلك سالما معافى من كل اذى دون ان تكون قد آذيت غيرك لا بسمعه ولا بماله ولا بنفسه.

فإذا كان السائق الكريم الذي تحدثنا عنه في المقالة قد آلى على نفسه وتعذب حتى ينقذ قطة من الموت افلا يكون هذا السائق لك مثلا حتى لا تؤذي اهلك وإخوانك وبلدك وأبناء شعبك ومحيطك كله من الاذى كل الاذى.

حفظنا الله وإياك أيها الابن والأخ الحبيب، سق على مهلك وأعط الجميع حقهم وليكن شعارك "كن حكيما قبل أن تكون محقا" لان الحكمة في الشارع قد تنقذ ارواحا اما الحق فقد يزهقها.

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 28 - 18 06/18/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 28 - 18 06/17/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 30 - 19 06/16/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 28 - 18 06/15/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 27 - 17 06/14/2019 - 11:00